رواية الرجل الذي يرد على الرسائل المتأخرة في ليلة ممطرة، ومتجر صغير مضاء في شارع خالٍ، مع ظرف رسالة قديم يوحي بالحنين والانتظار.

الرجل الذي يرد على الرسائل المتأخرة (2): الشك

الجزء الثاني: الشك

الطفلة تعود

بعد أسبوع من رسالة الأخ الغائب، عادت الرسالة الأولى بطريقة لم يتوقعها عمر. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. السماء صافية، والنجوم تظهر بوضوح من نافذة المتجر الصغيرة. جلس عمر على كرسيه الخشبي، وأمامه كأس شاي بدأ يبرد ببطء. منذ أشهر لم يفكر في الطفلة كما فكر فيها هذه الليلة. ربما لأنها كانت البداية. أول صوت دخل هذا المكان وأيقظه من صمته الطويل.

فجأة، انزلقت ورقة من تحت الباب بهدوء. وقف عمر بسرعة، وفتح الباب. لم يرَ أحداً بوضوح. فقط ظل صغير يبتعد خلف العمود البعيد. ربما فتاة. ربما مراهقة. أغلق الباب وعاد إلى الداخل. عرف الورقة فور أن لمسها. نفس اللون تقريباً. نفس طريقة الطي.

فتحها بحذر. الخط لم يعد طفولياً كما كان. أصبح أكثر استقامة، أكثر هدوءاً، كأن صاحبته كبرت فجأة. قرأ:

“إلى أبي.
صرت في الخامسة عشرة الآن.
أمي لا تتحدث عنك كثيراً، لكنني وجدت صورتك في صندوق قديم. كنت تبتسم. شعرت أنك طيب.
لا أعرف كيف يبدو صوتك، ولا كيف كنت تضحك، لكنني أكتب لك كل أسبوع.
لا أرسل الرسائل. فقط أخبئها تحت السرير.
صديقتي قالت لي: أبوك مات، توقفي.
لكنني لا أستطيع.
الكتابة تخفف قليلاً.
أريد فقط أن تعلم أنني لم أنسك.”

بقي عمر ينظر إلى الرسالة طويلاً. شعر أن الزمن مر فجأة أمامه. الطفلة التي كانت تنتظر عند باب المدرسة أصبحت فتاة في الخامسة عشرة، وما زالت تكتب إلى الغياب نفسه. تذكر والده للحظة. كيف كان ينتظر عودته كل مساء، رغم أنه لم يعد أبداً. ربما كل إنسان يحمل بداخله طفلاً ينتظر من لا يأتي.

أخرج ورقة بيضاء. تردد هذه المرة أكثر من أي مرة سابقة. كان قد وضع لنفسه قاعدة: لا يرد على الشخص نفسه مرتين. حتى لا يتعلق أحد بصوت لا يعرفه. حتى لا يتحول العزاء إلى وهم. لكنه لم يستطع أن يترك الرسالة وحدها. كتب:

“أبوك لم يغب عن قلبك، ولهذا تشعرين أنه قريب.
استمري في الدعاء له.
واستمري في الكتابة إن كانت تخفف عنك.
بعض الكلمات لا تصل بالبريد، لكنها تصل بطريقة أخرى.”

قرأ ما كتب مرة واحدة فقط، ثم طواه ووضعه في صندوق البريد القديم عند نهاية الشارع.

عندما عاد إلى المتجر، جلس طويلاً دون حركة. كان يفكر في والده. مرت سنوات على وفاته، ومع ذلك ما زال يحدثه أحياناً في قلبه كأنه يسمعه. ربما لا يكبر الإنسان حقاً حين يفقد من يحب. ربما فقط يتعلم كيف يعيش مع الغياب.

فتح دفتره الأسود وكتب:

“ليلة خامسة.
الطفلة عادت.
كبرت، لكنها ما زالت تكتب لأبيها.
بعض الناس لا يتوقفون عن الانتظار أبداً.
والبعض الآخر يتعلم أن الانتظار نفسه صار وطناً.”

ثم أغلق الدفتر.

بقي عمر ساكناً طويلاً بعد أن أغلق الدفتر. نظر إلى اللمبة الصفراء التي تذبذب فوق رأسه. فكر في تلك الفتاة التي لا تعرف أن رسالتها وصلت إلى رجل غريب في متجر ليلي، وأن هذا الغريب يبكي لها أحياناً في صمت. همس لنفسه: “لو تعلمين… لو تعلمين.” ثم نهض ليصنع كأس شاي جديداً.

الرجل الذي يبكي وحده

في الليلة التالية، كان البرد قاسياً. لف عمر كتفيه ببطانية قديمة وجدها خلف الرف الثالث، وجلس قرب المنضدة يحتسي شايه بصمت. عند الثانية صباحاً، سقط ظرف ثقيل على الأرض خلف الباب. لم يكن صوت ورقة هذه المرة. كان أثقل من ذلك. فتح الباب سريعاً، لكنه لم يجد أحداً. عاد إلى الداخل، وحمل الظرف. كان بنياً داكناً، وعليه ختم شمعي أحمر. وعلى وجهه كُتبت عبارة واحدة: “إلى من تجده العناية.”

فتح الظرف بحذر. في داخله صورة لرجل وامرأة يقفان بجانب بعضهما ويضحكان. ثم بدأ يقرأ الرسالة:

“إلى زوجتي التي رحلت.
ثلاث سنوات وأنا أحدث صورتك كل ليلة.
أخبرك عن البيت، وعن الأولاد، وعن القهوة التي أصبحت مرة بعدك.
وسادتك ما زالت في مكانها.
لم أحرّكها منذ رحلتِ.
أخاف أن أنساك.
وأخاف أكثر أن أتذكرك كل يوم بهذه الطريقة.”

توقف عمر عن القراءة للحظة. نظر إلى الصورة مرة أخرى. الرجل يضحك فيها بطمأنينة كاملة، كأنه لم يكن يعرف أن الحياة قادرة على اقتلاع نصفه بهذا الشكل. تذكر والده بعد وفاة أمه. كيف بقي شهوراً يترك أشياءها كما هي، كأن تغيير مكانها اعتراف نهائي بالغياب. وكم كان والده يبدو وحيداً في تلك الفترة، يجلس أمام التلفاز المغلق، لا ينتظر برنامجاً، فقط ينتظر أن ينتهي اليوم.

أخذ عمر ورقة وكتب ببطء:

“أخي في الله.
الذين نحبهم لا يختفون حين نحرّك وسائدهم أو نفتح نوافذ غرفهم.
هم يبقون بطريقة أخرى.
ادعُ لها، ثم حاول أن تعيش.
هذا لا يخون الحب.”

أعاد الرسالة والصورة إلى الظرف، ووضعه في صندوق البريد القديم.

ثم خرج من المتجر للحظة. الليل بارد جداً، والقمر كامل في السماء. وقف ينظر إليه طويلاً. وفكر أن الحب الحقيقي لا ينتهي بسهولة، حتى بعد الموت. يتغير فقط. يصير دعاءً. أو صورة قديمة. أو وسادة لا يقترب منها أحد.

فتح دفتره الأسود وكتب:

“ليلة سادسة.
رجل يبكي زوجته منذ ثلاث سنوات.
الحب أحياناً لا يشفى، لكنه يتعلم كيف يكمل.
بعض الغياب يظل مفتوحاً مثل جرح لا يلتئم.
لكن الإنسان يتعلم أن يعيش مع الألم كأنه نبض ثان.”

أغلق الدفتر.

لم يعد عمر إلى كرسيه مباشرة. بقي واقفاً عند باب المتجر، يتنفس الهواء البارد. نظر إلى السماء مرة أخرى. تساءل: هل تراه تلك المرأة من هناك؟ هل تعلم أن رجلها ما زال يحدث صورتها كل ليلة؟ أغمض عينيه للحظة. شعر ببرودة تخترق جاكيته، لكنه لم يتحرك. كان يحتاج إلى هذا البرد. كان يحتاج إلى أن يشعر بشيء حقيقي.

شك

بعد أسبوع، تغير كل شيء. ثلاث ليالٍ كاملة مرت دون أي رسالة. المتجر هادئ أكثر من المعتاد. الثلاجة تئن. المروحة تدور ببطء. والباب يبقى مغلقاً طوال الليل. بدأ عمر يشعر بفراغ غريب. لم يكن ينتظر الرسائل لأنه يحب الحزن، بل لأنه اعتاد أن يشعر أن وجوده صار يعني شيئاً لأحد.

كان يحاول ألا يتعلق، لكنه تعلق. كان يحاول ألا ينتظر، لكنه انتظر. وفي صمت المتجر الطويل، سأل نفسه سؤالاً لم يجرؤ على طرحه من قبل: هل كان يفعل هذا من أجلهم أم من أجل نفسه؟

في الليلة الرابعة، وصلت رسالة مختلفة. لم تكن حزينة. كانت غاضبة.

قرأها واقفاً قرب الباب:

“إلى الرجل الذي يرد.
اكتشفت أنك لست الشخص الذي كنت أكتب له.
ظننت أن صديقتي هي من ردت علي.
ثم عرفت الحقيقة.
أنت جعلتني أصدق أن أحداً ما زال يتذكرني.
كان ذلك مؤلماً حين اكتشفت أنه غير حقيقي.
من أنت؟ ولماذا تتدخل؟”

شعر عمر بأن الكلمات تضيق حوله. جلس ببطء على الكرسي، وأعاد قراءة الرسالة. هذا ما كان يخاف منه منذ البداية. أن يكتشف أحدهم الحقيقة، ويرى ما يفعله كنوع من التطفل أو الخداع. أغمض عينيه. حاول أن يقنع نفسه أنه كان يواسي الناس فقط، لكنه للمرة الأولى لم يكن متأكداً تماماً. لو كان مكانهم… هل سيرضى أن يقرأ غريب رسائله ويرد عليها؟

فتح عينيه بصعوبة. أخرج ورقة بيضاء. كتب:

“أنتِ محقة.
أنا لست صديقتك، ولم يكن من حقي أن أجعلك تظنين ذلك.
كنت أحاول فقط أن لا تبقى الرسائل وحدها في هذا العالم.
أعتذر لك.”

توقف. ثم أضاف:

“لن أرد عليك بعد اليوم.
لكنني سأدعو لك في الخفاء.”

طوى الورقة ووضعها تحت السجادة قرب الباب.

ثم عاد إلى كرسيه. جلس طويلاً دون أن يشرب الشاي. لأول مرة منذ بدأ كل هذا، شعر أن ما يفعله قد يكون مؤذياً أحياناً، مهما كانت نيته طيبة.

فتح دفتره الأسود وكتب:

“ليلة سابعة.
امرأة غاضبة.
قالت إنني وهم.
ربما كانت محقة قليلاً.
ربما كنت أملأ فراغي بأحزان الآخرين.
ربما كنت أظن أنني أمسح دموعهم، وأنا في الحقيقة أمسح دموعي.”

أغلق الدفتر.

كان الفجر يقترب، وعمر يشعر بتعب لم يشعر به من قبل.

بعد أن أغلق الدفتر، بقي جالساً في الظلام. لم يعد يشرب الشاي. لم يعد ينظر إلى الباب. كان ينظر إلى يديه فقط. تذكر كلمات الرجل الذي جاء ليشكره قبل أسابيع: “استمر، العالم يحتاج إلى من يقرأ الرسائل المتأخرة.” الآن لم يعد متأكداً. هل كان محقاً؟ أم أن العالم يحتاج فقط إلى الصدق، ولو كان موجعاً؟ نهض وأطفأ اللمبة الصفراء لحظة، ثم أعاد تشغيلها. كأنه يحاول أن يطفئ شيئاً داخله، فلم يستطع.

صندوق البريد القديم

بعد رسالة الاتهام، أصبح عمر أكثر حذراً. لم يعد يضع الردود تحت السجادة كما كان يفعل. صار يستخدم صندوق البريد القديم في نهاية الشارع. كان الصندوق صدئاً ومهجوراً، كأنه بقايا زمن آخر. في إحدى الليالي، خرج إليه بعد منتصف الليل، فتح بابه بصعوبة، ونفض الغبار عن داخله. كان فارغاً تماماً. همس لنفسه: “يشبهني قليلاً.” عاد إلى المتجر، وجلس ينتظر.

كان يفكر في تلك المرأة الغاضبة. هل كانت محقة؟ هل كان تدخله غير مناسب؟ تذكر كيف بدأ كل شيء: ورقة صفراء خلف علبة تمر، طفلة تنتظر أباها. لم يخطط لأي من هذا. حدث فقط. كأن القدر وضعه في هذا المكان ليكون أذناً لمن لا يسمعهم أحد. لكن هل الأذن بحاجة إلى صوت؟

عند الثانية صباحاً، انزلقت رسالة جديدة من تحت الباب. كانت بخط رجل كبير في السن. قرأ:

“إلى ابنتي.
تزوجتِ وسافرتِ.
ثلاث سنوات لم تتصلي إلا قليلاً.
كل مرة أقول لنفسي: مشغولة.
لكن البيت صار خالياً جداً بعد أمك.
لا أريد مالاً ولا هدايا.
فقط أريد أن أسمع صوتك.”

بقي عمر صامتاً للحظات. تخيل رجلاً عجوزاً يعود كل مساء إلى بيت فارغ، ولا ينتظر إلا رنين هاتف. تخيله يعدّ كأس الشاي لشخصين ثم يشربه وحده. تخيله يفتح التلفاز ليسمع صوتاً، أي صوت، فقط ليقتل الصمت.

أخرج ورقة وكتب:

“عمي العزيز.
بعض الناس لا يعرفون حجم الوحدة التي يتركونها خلفهم.
اتصل بابنتك أنت.
قل لها إنك اشتقت لصوتها.
القلوب أحياناً تحتاج كلمة صريحة حتى تستيقظ.”

طوى الرسالة، ومشى إلى صندوق البريد القديم، ووضعها داخله. ثم وقف قليلاً قرب الصندوق. الشارع خالٍ. النجوم واضحة. والبرد يزداد.

فكر فجأة في أمه. أخرج هاتفه وأرسل لها رسالة قصيرة: “أمي… أحبك. سآتي غداً بعد الدوام. جهزي لي كبسة.” أعاد الهاتف إلى جيبه، وابتسم وحده. ثم عاد إلى المتجر.

فتح دفتره الأسود وكتب:

“ليلة ثامنة.
رجل عجوز لا يريد من الدنيا إلا مكالمة واحدة من ابنته.
أحياناً يحتاج الإنسان صوتاً واحداً فقط كي يشعر أنه لم يُنسَ.
لا تكن أنت من ينتظر المكالمة.
كن أنت من يتصل.”

أغلق الدفتر.

وفي الخارج، كان الفجر يقترب ببطء.

وقف عمر عند باب المتجر ينظر إلى أول خيوط الضوء. شعر بشيء لم يشعر به منذ أيام: طمأنينة خفيفة. ليس لأن الرسائل عادت، بل لأنه قرر ألا ينتظر. قرر أن يكون هو من يتصل، هو من يقول “أحبك” قبل فوات الأوان. نظر إلى هاتفه مرة أخرى. كان يفكر في أمه، في أخيه، في صديقه القديم. أرسل رسالة ثانية لأخيه: “اشتقت لك يا أخوي.” ثم عاد إلى كرسيه ونام قليلاً قبل الفجر.

Scroll to Top