لم يسألك أحد يوماً حين أحبك عن معدلك التراكمي. ولم يسألك من آنسه حضورك ذات سهرة عن الجامعة التي تخرجت منها. ولم يسألك من بكى معك في لحظة صعبة عن عدد شهاداتك المعلقة على الجدار. الأرواح حين تتقاطع لا تمر على السيرة الذاتية أولاً.
الناس يكذبون حين يقولون إنهم يقيّمون بالعقل. ربما يقيّمون الملفات والطلبات بالعقل، لكنهم يقيّمون الناس بشيء آخر تماماً، بذلك الحس الغريب الذي يعمل في الثواني الأولى قبل أن يتدخل المنطق ويحاول أن يفسر ما حدث. تدخل على شخص وتجلس معه عشر دقائق فقط، ثم تخرج وأنت تعرف بالفطرة إن كنت ستريد أن تراه مرة أخرى أم لا. لم تسأله عن شيء. لم يُقدم لك وثيقة. حدث شيء بينكما لا اسم له في أي قاموس.
الإنسان الذي يملك حضوراً حقيقياً لا يحتاج أن يُعلن عن نفسه. تشعر به قبل أن يتكلم، وتتذكره بعد أن يصمت. في طريقة إصغائه شيء يجعلك تشعر أنك تُسمع فعلاً لا أنك تُتحمَّل. وفي طريقة كلامه شيء يجعل ما يقوله يبقى في ذاكرتك أياماً بعد أن نسيت كلام من هو أكثر منه شهادات وألقاباً.
الشهادة تفتح أبواباً، هذا حق لا جدال فيه. لكن ما الذي يجعلك تبقى بعد أن فُتح الباب؟ ليس الشهادة. ما يجعلك تبقى هو ذلك الشيء الذي لا تعلّمه جامعة ولا يُمنح في حفل تخرج، القدرة على أن تجعل من أمامك يشعر أنه يستحق وقتك واهتمامك واحترامك. هذه القدرة إما أن تكون قد تعلمتها في مدرسة التجارب أو ورثتها من بيئة علّمتك أن الإنسان قيمة لا وسيلة.
الناس لا ينسون من أشعرهم بأنهم مهمون. لا ينسون من جلس معهم في لحظة صعبة دون أن ينظر إلى ساعته. لا ينسون من ضحك معهم بصدق لا بمجاملة. لا ينسون من اعترف بخطأه دون أن يجعل من اعترافه بطولة. هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في أي ملف هي ما يبقى، وهي ما يُروى عن الإنسان بعد أن يغادر الغرفة بل وبعد أن يغادر الدنيا.
الناس لا يتذكرون ألقابك.ولاتهمهم، يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون. وهذا وحده يكفي ليكون الامتحان الحقيقي.
تأمل من تحبهم في حياتك، من تتمنى أن يكونوا قربك حين يثقل عليك شيء، من تشعر بخفة غريبة حين تراهم. هل اخترتهم بسبب مؤهلاتهم؟ هل وقفت يوماً تقارن بين شهاداتهم قبل أن تقرر أن تمنحهم مكاناً في داخلك؟ أم أن ثمة شيئاً آخر كان يعمل في الخفاء، شيء أقرب إلى الجاذبية منه إلى الحساب؟
هذا لا يعني أن العلم لا قيمة له. العلم نور ومن أُعطيه فقد أُعطي خيراً عظيماً. لكن العلم الذي لا يُهذّب صاحبه ولا يجعله أكثر تواضعاً وأعمق إنسانية هو علم لم يصل بعد إلى قلب صاحبه، وقف عند حدود الورق ولم يتجاوزها.
الإنسان الحقيقي هو من إذا جلست معه شعرت أن الوقت قصير، ومن إذا غاب شعرت أن شيئاً ناقصاً في المكان حتى لو لم تستطع أن تسميه. هذا الحضور لا يُعطيه مؤهل ولا يسلبه غيابه. يُعطيه شيء أعمق، تربية تعلّمت أن الآخر إنسان لا جمهور، وقلب تدرّب على أن يرى ما وراء الأقنعة.
ما يهم الناس فيك في نهاية المطاف ليس ما تحمله، بل ما تمنحه. وما تمنحه لا يُقاس بالأوراق بل بالأثر، ذلك الأثر الهادئ الذي تتركه في كل من مررت بحياته، سواء مكثت فيها طويلاً أو مررت عابراً.

