أشخاص يجلسون خلف زجاج مقهى في مدينة كبيرة بشعور هادئ من الوحدة

الوحدة في زجاج المدينة

ثمة لحظة غريبة تعيشها في المدينة الكبيرة، لا تأتي في الليل كما يتوقع الجميع، بل في ذروة النهار، حين تكون الشوارع مكتظة والأصوات متشابكة والوجوه تتدافع في كل اتجاه. تأتي فجأة، وأنت واقف على رصيف ما تنتظر إشارة المرور أن تتحول إلى الأخضر، فتدرك أن لا أحد في هذا الزحام يعرف اسمك.

لم تكن المدينة يوماً وحشية بطبعها، لكنها تعلمت أن تصنع من الزجاج جدراناً. زجاج شفاف يوهمك بالقرب وهو يحقق البُعد بدقة هندسية مذهلة. تجلس في مقهى، وعلى بُعد شبر منك رجل يحدق في شاشته، وامرأة تضحك في هاتفها، وطفل يسحب أباه نحو واجهة محل ألعاب. كلكم في غرفة واحدة، وكل واحد في كوكب مختلف تماماً.

الذي لا يُقال عادةً، أن هذه الوحدة لا تؤلم دائماً. ثمة أوقات تكون فيها خفيفة كالهواء، تمشي بها كمن يحمل معطفاً صيفياً لا يثقل ولا يدفئ. تكتشف أنك تعلمت أن تملأ صمتك بنفسك، أن تتحدث إلى داخلك بلغة لا يتقنها سواك، أن تصبح أنيس نفسك في أماكن لا ترحب بأحد. غير أن الأمر يتبدل حين تأتي مناسبة، أو ذكرى، أو مجرد أغنية قديمة تسمعها من نافذة مفتوحة. عندها تشعر بثقل ما كنت تظنه خفيفاً، وتعرف أن ما سميته استقلالية لم يكن سوى توحدٍ ألبسته ثياباً أنيقة.

قيل الكثير عن وحدة الصحراء وعزلة الجبل ومناجاة البحر، لكن لم يُقل ما يكفي عن وحدة الطابق الخامس والعشرين في بناية تعج بمئة أسرة. تسمع من خلف الجدار صوت تلفاز جارك، ولا تعرف اسمه منذ ثلاث سنوات. تمر به في الممر فتتبادلان ابتسامة مدنية مهذبة، لا تقول شيئاً ولا تخفي شيئاً، مجرد إيماءة تعني أنك تعرف أنه موجود وأنه يعرف أنك موجود، وأن هذا يكفي لأن لا أحداً منكما يطلب أكثر من ذلك، ولا يعرف كيف يطلبه لو أراد.

المدينة جاءت بعقد واضح، لم تخفِ بنوده ولم تزوّرها. قالت: أعطيك الحرية وتعطيني جذورك. قالت: أعطيك الفرصة وتعطيني الوقت الذي كنت تمنحه لمن يعرفون صوتك حين تكون مرهقاً. وأنت وقّعت طوعاً، لأن الجذور كانت تثقل أحياناً، ولأن من يعرفون صوتك كانوا يسألون أسئلة لم تكن تحب الإجابة عنها. جئت تبحث عن نفسك في مكان لا يسأل فيه أحد عن أحد، فوجد ما أراد، ووجد معه ما لم يكن في البنود.

الوحدة الحقيقية في المدينة ليست غياب الناس، بل فائض الناس مع غياب اللحظة التي يراك فيها أحدهم حقاً. ليس وجهك الذي يظهر في صورة على شاشة، ولا اسمك الذي يُردد في محادثة جماعية. بل أنت، ذلك الشيء الصعب التعريف الذي تحمله من غرفة إلى غرفة ومن يوم إلى يوم، وتعرف في أعماقك أنه لم يجد بعد من يجلس إليه على مهل ويسمعه دون أن يكون للوقت ضغط أو للحديث أجندة.

لذا يعود الناس إلى مدنهم الصغيرة أحياناً. ليس لأن المدينة الكبرى أخفقت، بل لأنهم يشتاقون لشيء لا اسم له بالضبط. شيء يشبه أن يعرفك شخص ما، لا لأنك أخبرته من أنت، بل لأنه رآك قبل أن تعرف كيف تشرح نفسك.

Scroll to Top