شموع في أجواء روحانية غامضة ترمز لبعض الممارسات المرتبطة بعلم الطاقة

كشف خرافات “علم الطاقة” والروحانيات الحديثة

حياكم الله، يمكن لاحظ البعض في السنوات الأخيرة، بدأنا نسمع ونلاحظ مصطلحات مثل “الطاقة”، و”قانون الجذب”، و”فتح الشاكرات”، و”الشفاء الكمّي” تنتشر بشكل واسع في مواقع التواصل، والدورات التدريبية، وبعض المساحات التي تُقدَّم على أنها تطوير للذات أو علاج للنفس. تبدو هذه المصطلحات للوهلة الأولى حديثة وعلمية، خصوصاً حين تُربط بعبارات مثل “الترددات”، و”الذبذبات”، و”الوعي”، و”الطاقة الكونية”. لكن خلف هذه اللغة اللامعة يقف سؤال مهم: هل نحن فعلاً أمام علم حقيقي، أم أمام أفكار قديمة أُعيد تقديمها بواجهة عصرية؟

تعود بعض جذور ما يسمى “علم الطاقة” إلى فلسفات ومعتقدات روحية شرقية قديمة ظهرت في بعض التقاليد الهندوسية والبوذية والطاوية. تقوم الفكرة الأساسية فيها على وجود “طاقة خفية” تملأ الكون، وأن الإنسان يستطيع التأثير فيها أو الاستفادة منها لتحقيق الشفاء، أو جذب المال، أو تحسين العلاقات، أو الوصول إلى حالة أعلى من “الوعي”. في الهندوسية نجد مفهوم “البرانا”، وفي الصين القديمة نجد “التشي”، وفي بعض الفلسفات القديمة ظهرت أفكار مشابهة عن “قوة الحياة” أو “الأثير”. هذه المفاهيم لم تكن يوماً علماً تجريبياً قائماً على الملاحظة والقياس، بل تصورات فلسفية وروحية نشأت قبل تطور العلم الحديث.

ومع مرور الوقت، انتقلت هذه المفاهيم إلى الغرب، ثم عادت إلى العالم العربي بثوب مختلف يحمل أسماء أكثر قبولاً وحداثة. لم تعد تُقدَّم بوصفها طقوساً دينية أو مفاهيم روحانية قديمة، بل على أنها “تنمية بشرية”، أو “تحرير للطاقة السلبية”، أو “تطوير للوعي”، أو “رحلة لاكتشاف الذات”. لكن كما يشير البروفيسور إدزارد إرنست، أول أستاذ للطب البديل في العالم والذي كرس سنوات طويلة لدراسة هذه الظواهر ونقدها، فإن كثيراً من هذه الممارسات ليست سوى إعادة تقديم لمفاهيم روحية قديمة بلغة عصرية تمنحها مظهراً علمياً أكثر قبولاً لدى الجمهور الحديث.

المشكلة أن كثيراً من هذه الممارسات لا تستند إلى أساس علمي حقيقي، رغم استخدامها المكثف للمصطلحات العلمية. فحين يُقال إن الإنسان يستطيع “جذب” ما يريد من الكون بمجرد التفكير أو التخيل، أو أن بعض الطقوس قادرة على “فتح العين الثالثة”، أو أن الموسيقى والتأمل ينقلان الإنسان إلى “ذبذبات أعلى”، فنحن لا نتحدث هنا عن علم تجريبي قائم على أدلة قابلة للقياس والتكرار، بل عن خليط من المعتقدات الروحية، والتفسيرات الغامضة، وبعض الأفكار التي أُعيد تغليفها بلغة حديثة.

ولعل ما يجعل هذه الأفكار أكثر انتشاراً هو أنها لا تُقدَّم عادة بشكل صادم أو واضح، بل تتسلل بهدوء عبر مقاطع قصيرة، أو اقتباسات تحفيزية، أو جلسات استرخاء تبدو بسيطة في بدايتها. ثم تبدأ بالتدرج نحو مفاهيم أكثر غرابة، مثل “الإسقاط النجمي”، و”التخاطر”، و”توأم الشعلة”، و”تنظيف الهالة”، و”رفع التردد”، وغيرها من الأفكار التي تحيط بها ادعاءات كثيرة دون وجود أدلة علمية موثوقة تثبتها.

كما أن بعض مروّجي هذه الممارسات يحاولون ربطها بالعلم، خصوصاً عبر استخدام مصطلحات مأخوذة من فيزياء الكم، مثل “الذبذبات”، و”الترددات”، و”الطاقة الكونية”، و”الوعي الجمعي”. لكن استخدام المصطلحات العلمية لا يجعل الفكرة علمية بالضرورة. الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل موراي جيل مان وصف هذا النوع من الخطاب بما يشبه “الهراء الكمومي”، في إشارة إلى استغلال مفاهيم معقدة من الفيزياء لإضفاء شرعية علمية على أفكار لا علاقة لها بها. وكما يوضح بعض المختصين في الفيزياء، فإن الخلط بين المعنى العلمي الدقيق لكلمات مثل “الطاقة” و”التردد” وبين استخدامها الشعبي الغامض، هو أحد الأسباب التي تجعل هذه الأفكار تبدو مقنعة لغير المتخصصين.

ولهذا تُصنَّف كثير من هذه الممارسات في عدد من الأوساط العلمية ضمن العلوم الزائفة أو الادعاءات غير المثبتة، خصوصاً حين تُقدَّم كبديل للعلاج الحقيقي أو بوصفها وسائل قادرة على تغيير الواقع بشكل خارق.

ماذا تقول الدراسات العلمية عن “علاجات الطاقة”؟

هيئة كوكرين Cochrane ⓘ هيئة Cochrane، وهي من أبرز الجهات المتخصصة في مراجعة الدراسات الطبية المبنية على الأدلة. ، راجعت عدداً كبيراً من الدراسات المتعلقة بممارسات مثل الريكي والعلاج بالطاقة والشفاء الكمّي. وكانت النتيجة المتكررة في كثير من هذه المراجعات: غياب الأدلة العلمية الكافية التي تثبت فعالية هذه الممارسات عند اختبارها بطريقة علمية صارمة.

ومن الأمثلة التي تُذكر كثيراً في هذا السياق تجارب “الريكي الوهمي”، حيث يقوم أشخاص بتقليد جلسات الريكي نفسها من دون إيمان أو ادعاء بوجود “طاقة” حقيقية. وفي عدد من هذه التجارب لم يظهر فرق واضح بين من تلقى جلسة “حقيقية” ومن تلقى جلسة وهمية. وهذا ما يدفع كثيراً من الباحثين إلى تفسير التحسن الذي يشعر به بعض الناس بما يعرف بـ”تأثير الدواء الوهمي” (Placebo Effect)، وهو تأثير نفسي حقيقي يحدث عندما يقتنع الإنسان بأن شيئاً ما سيساعده، فيشعر بتحسن جزئي في الألم أو المزاج نتيجة التوقع والإيحاء، لا بسبب وجود “طاقة خفية” يمكن قياسها أو إثباتها علمياً.

ولا يعني هذا رفض كل ما يتعلق بالراحة النفسية أو التأمل الهادئ أو تحسين نمط الحياة؛ فهناك فرق واضح بين العادات الصحية البسيطة التي تساعد الإنسان على الاسترخاء وتنظيم أفكاره، وبين تحويل الإنسان إلى تابع لأفكار غامضة تُقنعه أن الكون يستجيب لطقوس خاصة، أو أن مصيره يمكن تغييره عبر “الأكواد”، و”الذبذبات”، و”الأحجار”، و”الطاقة الخفية”. التأمل قد تكون له فوائد نفسية معروفة، والاسترخاء مفيد للصحة، لكن هذا لا يعني أن هناك “طاقة كونية” تتحكم بحياة البشر أو تستجيب لرغباتهم بهذه الصورة التي يروج لها البعض.

وربما تكمن المشكلة الأكبر في أن بعض الناس قد يتأخرون عن طلب العلاج الحقيقي أو المساعدة النفسية المتخصصة، بسبب تعلقهم بوعود سريعة تقدمها هذه الممارسات. وفي أحيان أخرى تتحول المسألة إلى تجارة واسعة تُباع فيها الدورات التدريبية الباهظة، والأجهزة التي تدّعي قياس “الطاقة”، والأحجار والمنتجات المختلفة، تحت وعود كبيرة يصعب التحقق منها علمياً. وهنا يصبح الإنسان معرضاً لاستنزاف وقته وماله وصحته خلف أفكار لا تملك أساساً واضحاً يمكن الاعتماد عليه.

كما أن جانباً من هذه الممارسات لا يقف عند حدود الادعاءات العلمية الزائفة فقط، بل يمتد أحياناً إلى مفاهيم تتعارض مع العقيدة الإسلامية، خصوصاً حين يُربط النفع والضر، أو الشفاء والمصير، بما يسمى “الطاقة الكونية”، و”الترددات”، و”الأكواد”، و”قوانين الكون” الخفية، بطريقة تمنح هذه الأفكار سلطة روحية تتجاوز الأخذ بالأسباب والتوكل الصحيح على الله. ولهذا لا تبدو المسألة عند كثير من النقاد والعلماء مجرد أوهام بسيطة، بل خليطاً من الخداع والتضليل والتسويق النفسي الذي يستغل حاجة الإنسان للطمأنينة والمعنى والأمل.

وفي زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على تحويل أي فكرة غامضة إلى “حقيقة” متداولة خلال أيام، ربما يصبح الوعي الهادئ، والرجوع إلى المعرفة الموثوقة، والتفكير النقدي، والتمييز بين العلم الحقيقي والادعاءات اللامعة، أكثر أهمية من أي وقت مضى. فليس كل ما يُقال بلغة معقدة علماً، وليس كل ما يمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة يحمل حقيقة وراءه. وما يُكتب ويُترك.

للقراءة والتوسع

  • مراجعات كوكرين (Cochrane Reviews) حول الريكي والعلاج بالطاقة
  • كتب وأبحاث البروفيسور إدزارد إرنست (Edzard Ernst)
  • موقع Science-Based Medicine المتخصص في نقد الطب الزائف والادعاءات غير المثبتة
Scroll to Top