طريق مظلم يمتد في حقول ضبابية تحت سماء عاصفة داكنة يرمز إلى الوحدة والنظرة السوداوية للحياة

الشخصية المظلمة: لماذا يرى بعض الناس العالم بعيون سوداء؟

الشخصية المظلمة: لماذا يرى بعض الناس العالم بعيون سوداء؟

يمشي بيننا أناسٌ يحملون في صدورهم ليلاً لا فجر له، ويرون في وجوه الناس خصوماً لا إخوة، وفي كلامهم سكاكين مُجلّاة لا تُغمد، وحين تسألهم عن سبب قسوتهم يضحكون ضحكة من لا يعرف أنه يبكي. تجدهم في كل مكان، في العمل وفي الأسرة وفي دوائر الأصدقاء، يتركون خلفهم أثراً من البرود والجرح دون أن يلتفتوا، ودون أن يسألوا أنفسهم يوماً واحداً عن وقع كلامهم على من حولهم.

هؤلاء لم يولدوا هكذا، فلا طفلٌ يفتح عينيه على الدنيا وفي قلبه احتقارٌ للناس، بل إن الطفل يأتي إلى هذا العالم وهو مُفطور على الحب والانتماء والثقة، ثم تأتي الحياة بيدَيها الخشنتين فتعجن روحه عجناً حتى تُخرج منه ما لم يكن فيه، أو تطمس ما كان. فكم من طفل أُغلق عليه باب الحنان فتعلّم أن لا يطرق أبواب الناس، وكم من روح صغيرة سمعت من أقرب الناس إليها أنها لا تساوي شيئاً فآمنت بذلك وأسقطته على كل من حولها.

ما الذي يصفه علم النفس في هذه الشخصية؟

علم النفس يُسمّي ما نراه في هؤلاء بالثالوث المظلم للشخصية، وهو ثلاث طبائع تسكن في روح واحدة كثلاثة غرباء في بيت ضيّق، فالنرجسية تقول له إنك أعلى من أن تعتذر، والميكيافيلية تهمس إليه أن الناس وسائل لا غايات، والبرود العاطفي يُعلّمه أن لا يرى دموع من أوجعهم. وحين تجتمع هذه الثلاثة في شخص واحد فأنت أمام إنسان يرى العالم ساحةَ صراع لا حديقةَ تعاون، ويرى الآخرين منافسين لا رفقاء، ويرى الاعتذار هزيمةً لا شجاعة.

غير أن الحقيقة الأعمق التي يتغافل عنها الناس حين يكرهون هؤلاء أو يخشونهم، هي أن القسوة الظاهرة ليست إلا خوفاً تحجّر، وأن الاستعلاء ليس إلا جرحاً قديماً لبس ثوب الكبرياء حتى لا يُرى. ذلك الرجل الذي يُفرغ بذاءته في وجوه الناس دون أن يرفّ له جفن، إنما يصرخ بلسان لا يسمعه أحد، ويستغيث بيدين لا يمدّهما إلى أحد، فالجرح القديم لا يطلب الرحمة بصوت عالٍ، بل يطلبها بالإيذاء.

المال وحده لا يملأ الفراغ

والمال عندهم ليس وسيلةً بل غايةٌ وحيدة تشبّثت بها أرواحٌ لم تجد ما تملأ به فراغها، يدور حوله وجودهم كما تدور الرحى، وما أشد وحشة من يجلس على كنزه وحيداً يظن أنه ملكٌ وهو في حقيقته سجين. فحين يفقد الإنسان إيمانه بالناس يتشبّث بما لا يخونه في ظنّه، وينسى أو يتناسى أن المال لا يسمع ولا يؤنس ولا يرد على من ناداه في لحظة ضعف. وهذا بالضبط ما يجعل كثيراً من هؤلاء يزدادون قسوةً كلما ازدادوا ثروةً، لأن المال يُضخّم ما في الإنسان ولا يُغيّره، فإن كان فيه جرحٌ قديم جعله أشد إيلاماً، وإن كان فيه كبرياءٌ جعله أشد استعلاءً.

لماذا يكرهون ولا يكادون يُعجَبون بأحد؟

لأن الشخص الذي لا يُقدّر نفسه حقاً يجد في تصغير الآخرين متنفّساً نفسياً مؤقتاً، والنظرة السوداوية للمجتمع غالباً انعكاسٌ لنظرته لنفسه في أعماقه. هو لا يكره الناس بقدر ما يكره ما يراه فيهم من أشياء يرفضها في ذاته، فالبخيل يرى البخل في كل أحد، والكاذب يشك في صدق الجميع، والخائف يرى في كل مد يد فخاً منصوباً. وهذا ما تُسمّيه النظرية النفسية بالإسقاط، حين يعجز الإنسان عن مواجهة ما بداخله فيلصقه بمن حوله.

كيف تتعامل مع هذا النوع من الناس؟

الجواب أن لا تنزل إلى قاع بئرهم بحجّة أنك تفهمهم، وأن تضع بينك وبينهم من الحدود ما يصون روحك دون أن يُميت رحمتك، وأن تعلم أن رقيّك في التعامل معهم ليس ضعفاً بل هو أشدّ ما يُحيّرهم، لأنهم لم يتعلّموا يوماً كيف يردّون على من لا يشبههم. والحد الفاصل هنا دقيق لكنه ضروري، فأن تفهم إنساناً لا يعني أن تسمح له بأن يجعل من حياتك ميداناً لجروحه القديمة.

في النهاية ترحمهم صدقاً

وفي نهاية المطاف، فهم هؤلاء لا يُلزمك بتحمّل أذاهم، لكنه يجعلك تنظر إليهم بعين ترى فيها ما وراء القسوة، تلك الطفولة المكسورة التي لم يجد أحدٌ وقتاً ليلتقطها، فتجد في قلبك نحوهم شيئاً لم تتوقعه، رحمةً حقيقية لا تنبع من ضعف ولا من سذاجة، بل من إنسانية صافية أدركت أن من يؤذي الناس بهذه الطريقة إنما هو في الغالب أشدّ الناس احتياجاً إلى من يفهمه.

وهذه الرحمة لا تعني القبول بالأذى ولا التغاضي عنه، بل تعني أنك ترفض السلوك وترحم الإنسان في آنٍ واحد، وهذا في حقيقته أصعب المواقف وأرقاها، لأن كثيرين يسهل عليهم إما أن يكرهوا وإما أن يتساهلوا، لكن أن تضع حدوداً بكرامة وفي قلبك رحمة حقيقية فذلك مقامٌ لا يبلغه إلا من صفا قلبه وتهذّبت روحه. وهذا بالضبط ما أشار إليه القرآن الكريم حين قال ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ فلم يقل اقبل الأذى، ولم يقل كن قاسياً، بل قال كن أحسن، وفي كلمة أحسن هذه عالمٌ كامل من الفهم والرحمة والكرامة في آنٍ واحد.

Scroll to Top