الناس الذين غيّرونا ولا يعلمون
هل فكّرت يوماً أن أهم شخص غيّر حياتك ربما لا يعرف اسمك؟
ليس الأب ولا الأم ولا الصديق الذي بقي معك في أصعب أيامك، بل شخص عابر مرّ في حياتك مروراً خفيفاً، قال كلمة صغيرة في لحظة مناسبة تماماً، ثم أكمل حياته كأن شيئاً لم يحدث، بينما بقيت تلك الكلمة داخلك لسنوات.
أعرف معلماً قال لطالبه يوماً وهو يصحح ورقة امتحان:
“أنت تكتب بطريقة مختلفة، لا تغيّرها.”
ربما نسيها بعد دقائق، لكن الطالب لم ينسها أبداً. وبعد سنوات أصبح كاتباً.
لك أن تتخيل، كلمة واحدة.
ثلاثون سنة.
في حياة كل واحد منا أشخاص من هذا النوع. غرباء، أو أشباه غرباء، تركوا أثراً لا يُمحى دون أن ينتبهوا لذلك أصلاً. رجل في مكتبة قال لك: “هذا الكتاب غيّر حياتي”، فأخذته بدافع الفضول، ثم غيّرك أنت أيضاً. زميلة نظرت إلى فكرتك بدهشة صادقة وقالت: “كيف تفكر هكذا؟” فانتبهت لأول مرة أن فيك شيئاً مختلفاً.
هؤلاء لا يعرفون شيئاً عمّا فعلوه بنا.
يمشون في حياتهم بشكل عادي جداً، بينما يحملهم أحدهم في داخله لسنوات، يتذكر صوتهم، أو نظرتهم، أو تلك اللحظة العابرة التي صنعت فرقاً صغيراً لم يعد صغيراً مع الوقت.
وأحياناً تتمنى لو تستطيع أن تخبرهم. أن تقول لأحدهم: “أنت غيّرت شيئاً فيّ ذات يوم.”
لكن الوقت يمضي، وتصبح بعض المشاعر أثقل من أن تُقال، فتبقى معك وحدك.
ثم تكتشف شيئاً أكثر غرابة:
أنك أنت أيضاً فعلت هذا بأحدهم.
قلت كلمة عابرة ظننتها عادية، بينما كانت تعني لشخص آخر شيئاً كبيراً. فعلت موقفاً صغيراً نسيته أنت، وما زال عالقاً في ذاكرة أحد حتى الآن.
نحن جميعاً نحمل غرباء في داخلنا، ونسكن في غرباء لا نعرفهم.
وربما هذا وحده يكفي ليجعل الحياة أقل وحشة مما تبدو.

