دموع في ركن الحلويات
ثمة أيام يمنحها الزمن للإنسان كأنها اعتذار عما سبق. أيام تأتي نقية خفيفة كأن أحداً أعاد ضبط الروح من جديد. وكان هو في تلك الأيام يعيش واحدة من هذه المنح النادرة، إذ قرر أن يسافر وحده إلى مدينة لا يعرفها، لا هرباً من شيء كما يظن كثيرون حين يسافرون بعد الفقد، بل لأن روحه طالت وقفتها على نفس الرصيف وحان وقت أن تمشي.
كانت المدينة تستقبله كل صباح بفعالية جديدة، وكان كل يوم يتفوق على الذي قبله في جماله وانبساطه. حتى بات يظن أن السعادة تراكمت فيه حتى لم يعد فيه مكان لشيء آخر. كان يمشي في أروقة الحياة كمن أُعيد إليه شيء كان فقده، وكان يضحك بتلك الطريقة التي تجعل من يراه يظن أنه لم يحزن يوماً.
وفي أحد تلك الأيام المضيئة قرر أن يتجول في مول فخم سمع عنه. مشى بخطى من لا يريد أن يصل، لأن المتعة كانت في المشي نفسه. مرّ على محلات الهدايا فابتسم، وعلى محلات العطور فاستوقفته الروائح لحظة ثم أكمل، وعلى المطاعم التي تفوح منها روائح تجعل الجوع فضيلة. ثم وقف أمام ركن الحلويات.
لم يكن يبحث عن شيء بعينه. كان يتأمل فقط، بعيني من يريد أن يختار دون عجلة.
ثم رآه.
لم يكن مجرد كعك. كان شكلاً بعينه، ولوناً بعينه، ورائحة ظنّها نسيها منذ زمن بعيد. وقفت عيناه عليه كما يقف المسافر المتعب حين يرى ضوء بيته من بعيد، لا يصدق أنه هو، ولا يصدق أنه وصل.
وفي تلك اللحظة، بلا مقدمة ولا إذن، فتحت الذاكرة باباً كان موصداً.
رآها.
رآها في المطبخ بعباءتها المنزلية الفيروزية وشعرها المرفوع بعجل وعلى خدها الأيسر أثر دقيق من الدقيق. رآها تضحك وهي تُخرجه من الفرن وتتفقده بعيني من صنعت شيئاً يستحق أن يُفخر به. ورآها وهي تضعه أمامه على الطاولة دون كلام، في تلك اللحظات التي يكون فيها الصمت بينهما أثقل من أي كلام، كأنها تقول بهذا الكعك ما لم تجد الكلمات تقوله.
كانت تعرف أنه يحبه. ليس لأنه أخبرها، بل لأنها كانت تراقبه حين يأكله بتلك الطريقة التي تخون الإنسان وتكشف عما يسعده فعلاً. وكانت دائماً تفاجئه، في أعياده وفي أيامه العادية وحتى في أيام الزعل، خاصة في أيام الزعل، حين يكون الصمت بينهما قد امتد أكثر مما ينبغي، كانت تأتي من المطبخ وهي تحمله وتضعه بينهما على الطاولة دون أن تقول شيئاً. وكان هو يفهم كل ما لم تقله.
الكعك كان لغتها حين تعجز اللغة.
حاول أن يتماسك. لكن الدمعة لم تستأذن. جاءت كما تجيء الأشياء الحقيقية دائماً، دون إنذار ودون رحمة. تراجع خطوة للخلف ثم خطوة أخرى، وأسند ظهره إلى الجدار كمن يحتاج إلى ما هو أثبت منه كي لا يقع. والبائع ينظر إليه بذهول لا يُخفيه، لكنه لم يجرؤ على الكلام، لأن ثمة أحزاناً يفهم الإنسان حين يراها أنها لا تحتاج كلاماً.
أخرج محفظته بيد ترتجف قليلاً وأشار إلى الكعك. اشترى قطعة واحدة. لفّها البائع بصمت كمن يلفّ شيئاً يعرف أنه ليس مجرد حلوى.
خرج من المول وجلس على أول مقعد وجده. ووضع الكعكة أمامه على الطاولة الصغيرة.
ونظر إليها.
كانت ملفوفة بورق شفاف يكاد يخفيها ولا يخفيها. وكان هو يحدق فيها بعيني من وصل إلى مفترق لم يتوقعه، وعلى كل طريق فيه ثمن لا يعرف إن كان يستطيع دفعه.
فكّر.
إن فتحها وأكلها، وكان طعمها هو نفس الطعم، طعمها كما كانت تصنعها هي، فسيفتح بذلك باباً كان قد أغلقه بكل ما أوتي من قوة منذ أن فارقته. وسيدخل من ذلك الباب كل ما كان يحاول أن يبقيه في الجانب الآخر، ذكراها كما كانت تضحك، وكما كانت تنادي اسمه من الغرفة الأخرى، وكما كانت تنام على جانبها الأيسر دائماً وتترك له الأيمن، وكما كانت في آخر أيامها تمسك يده وتنظر إليه بتلك العينين اللتين كانتا تقولان أشياء لم تعد قادرة على قولها بصوت. إن كان الطعم هو الطعم نفسه فلن ينهار فحسب، سيغرق.
وإن لم يأكلها، وأبقاها أمامه مغلقة حتى تبرد ثم تركها، فماذا يعني ذلك؟ أيعني أنه يريد أن ينسى؟ أيعني أنه يختار السلامة على الذاكرة؟ أيعني أنه يخون تلك اليدين اللتين عجنتا هذا الكعك آلاف المرات بكل ما فيهما من حب لا يُعلن؟ كيف يُدير وجهه عن الشيء الوحيد الذي جلب لها في آخر يوم كلّمها فيه ابتسامة حقيقية حين أخبرها أنه لا يزال يحبه؟
جلس أمام الكعكة وجلست أمامه.
ومرّ الوقت.
مرّت امرأة تدفع عربة أطفال وطفلها يضحك على شيء لا يراه إلا هو. ومرّ شابان يتحدثان بصوت مرتفع عن شيء يبدو لهما الأهم في العالم. ومرّت فتاة تنظر في هاتفها وتمشي في الوقت نفسه كمن تعلّمت أن تعيش حياتين في آنٍ واحد. ومرّ رجل مسن يمشي ببطء شديد كمن يتعمد ألا يصل. كل هؤلاء مرّوا ولم يروه، والعالم استمر في دورانه غير المبالي بمن يجلس على أطرافه يخوض معاركه الصامتة.
وهو لم يرَ أحداً منهم.
لم يرَ إلا الكعكة.
ثم، في لحظة لم يخطط لها ولم يتخذ فيها قراراً واضحاً، مدّت يده نفسها وفتحت الورق الشفاف ببطء، كمن يفتح شيئاً يعرف أنه لن يستطيع إغلاقه بعد اليوم.
وأكل.
وكان الطعم هو الطعم.
أغمض عينيه. وجاء كل ما كان يخشى أن يأتي. جاءت بكل تفاصيلها وبكل ضحكاتها وبكل المرات التي وضعت فيها هذا الكعك بينهما على الطاولة وقالت بصمتها ما لا تقوله الكلمات. جاءت وجلست بجانبه على ذلك المقعد في وسط ذلك المول البعيد كأنها لم تذهب قط.
وانهار.
لكنه، وهذا ما لم يتوقعه، لم يشعر بما كان يخشاه. لم يشعر بذلك الألم الذي يكسر الإنسان ويجعله لا يريد أن يقوم. شعر بشيء آخر، بشيء أشبه بالامتنان العميق الغريب المؤلم في آنٍ واحد. امتنان لأنها كانت. لأن هذا الطعم موجود في العالم وفي ذاكرته. لأنها أحبته بطريقة تركت فيه أثراً لا يمحوه سفر ولا وقت ولا محاولات الفرح التي يخوضها كل يوم كي يستمر.
مسح دمعه بهدوء. ونظر إلى ما تبقى من الكعكة في يده.
ثم رفع رأسه إلى السماء وقال بصوت لم يسمعه أحد سواه:
شكراً.
لم يكن يشكر على شيء واحد بعينه. كان يشكر على أنها كانت. وعلى أنها علّمته أن الحب الحقيقي لا يموت حين يموت صاحبه، بل يتحول. يتحول إلى طعم كعكة في مول بعيد، وإلى دمعة لم تستأذن، وإلى امتنان لا تجد له الكلمات اسماً مناسباً.
قام من مقعده. وسار.
ولم يكن يمشي بنفس الخطى التي دخل بها. كان يحمل شيئاً إضافياً الآن. ليس ثقلاً. شيء أخف من ذلك وأبقى. شيء يشبه أن تعرف أن من أحببت لم يذهب تماماً، بل صار جزءاً من كل شيء جميل تراه من بعده.
وأن الذاكرة ليست سجناً كما نظن حين نخاف منها، بل هي الطريقة الوحيدة التي يجد بها من رحلوا طريقهم إلى البقاء.

