رواية الرجل الذي يرد على الرسائل المتأخرة في ليلة ممطرة، ومتجر صغير مضاء في شارع خالٍ، مع ظرف رسالة قديم يوحي بالحنين والانتظار.

الرجل الذي يرد على الرسائل المتأخرة (1): الرسالة الأولى

رواية الرجل الذي يرد على الرسائل المتأخرة (1): الجزء الأول

الرسالة الأولى

لم يكن متجر البقالة الليلي كبيراً. أربعة رفوف خشبية داكنة، لمبة صفراء وحيدة، ثلاجة قديمة تئن طوال الوقت، ومروحة سقف تدور ببطء كأنها تفكر في التوقف. كان عمر يعمل من العاشرة مساءً حتى السادسة صباحاً. اختار هذه الوردية بنفسه. قال لمالك المتجر مرة: “أنا أحب الليل.” لكن الحقيقة أنه لا يحب شيئاً على وجه الدقة. الليل فقط لا يطلب منه أن يتكلم. الزوار قليلون في هذه الساعات. سائق شاحنة يشتري قهوة سريعة. شاب نسي شراء الحليب لأطفاله. أم ترسل ابنها الصغير لشراء دواء. الجميع يدخلون بسرعة ويخرجون بسرعة. لا أحد يبقى طويلاً. في تلك الليلة، كان الجو بارداً على غير العادة. لف عمر يديه حول كأس شاي نسيه على المنضدة منذ ساعة. الشاي يبرد. والمروحة تدور. والثلاجة تئن. وقف يرتب الرفوف. كانت مهمته الوحيدة هذه الليلة ترتيب البضائع القديمة: علب التمر، أكياس الأرز، الجبن المعلب. أشياء لا يشتريها أحد بعد منتصف الليل. رفع علبة تمر قديمة على الرف الثالث. كان الغبار يغطيها كأنها لم تُمس منذ شهور. مسحها بكم قميصه، ثم رأى شيئاً خلفها. ورقة صفراء مطوية. فتحها بحذر. كان الخط صغيراً وغير متساوٍ، كأن اليد كانت ترتجف أثناء الكتابة. التاريخ في أعلى الصفحة يعود إلى سبع سنوات. قرأ بصمت: “إلى أبي. أمي تقول إنك في مكان بعيد. أنا لا أصدق. لأن البعيد يعود يوماً. أريدك أن تأتي لأخذي من المدرسة غداً. كل البنات معهن آباؤهن. وأنا وحدي. متى ستعود يا أبي؟” انتهت الرسالة. وقف عمر طويلاً دون حركة. نظر إلى التاريخ مرة أخرى. سبع سنوات. هذه الطفلة التي كتبت الرسالة كانت في السابعة أو الثامنة ربما. الآن أصبحت مراهقة. أو شابة. هل ما زالت تنتظر؟ أغمض عينيه للحظة. رأى طفلة صغيرة تقف عند باب مدرسة، تنظر إلى الوجوه الخارجة، وتنتظر وجهاً لا يأتي. فتح عينيه سريعاً. مد يده إلى الدرج الصغير تحت المنضدة. أخرج قلماً بالكاد يكتب. وضع ورقة بيضاء أمامه. تردد. هل يحق له أن يرد؟ هو ليس أباها. لا يعرف اسمها، ولا أين تعيش، ولا إن كانت ستعود يوماً لتبحث عن هذه الرسالة. لكنه شعر أن الكلمات لا يجب أن تبقى وحدها هكذا. كتب: “أنا لست أباك. لكن رسالتك وصلت. وسأدعو لك كل ليلة.” قرأ ما كتب. لم تكن الكلمات كثيرة، لكنها بدت كافية. طوى الورقة ووضعها في المكان نفسه، خلف علبة التمر. ثم عاد إلى كرسيه. رفع كأس الشاي البارد بين يديه، ونظر إلى اللمبة الصفراء التي تذبذب قليلاً فوقه. في تلك اللحظة شعر بشيء غريب. كأن حياته، للمرة الأولى منذ سنوات، لم تعد فارغة تماماً. أخرج دفتراً صغيراً من جيبه. كان غلافه أسود قديماً. توقف قليلاً قبل أن يكتب، ثم دوّن: “ليلة أولى. رسالة من طفلة إلى أبيها. قرأتها. ودعوت لها. بعض الغياب لا ينتهي، لكن ربما الدعاء يضيء الطريق.” أغلق الدفتر.

في الخارج، بدأ أذان الفجر يرتفع من مسجد بعيد. نهض عمر وفتح باب المتجر. هواء بارد دخل إلى المكان، وضوء خفيف بدأ يظهر خلف الشارع الخالي. وقف عند العتبة لحظة. ثم عاد إلى الداخل. لم يكن يعلم أن تلك الرسالة ستكون الأولى فقط.

بقي واقفاً لحظة أطول أمام الباب المغلق. نظر إلى السماء التي بدأت تتلون. سأل نفسه: هل ستعود تلك الطفلة يوماً لتبحث عن رسالتها؟ لم يجد جواباً. لكنه شعر أن السؤال نفسه جميل.


الرجل الذي لا ينام

بعد ليلة الرسالة الأولى، لم يستطع عمر النوم. وصل إلى بيته عند السادسة صباحاً. السماء أضاءت بالكامل. العصافير تغرد خارج نافذته، والجيران يفتحون النوافذ، ورائحة القهوة تأتي من الشقة المجاورة. لكن عمر لم يشعر بالصباح. شعر أنه لا يزال في الليل. خلع حذاءه عند الباب. ألقى بجاكيته على الكرسي. جلس على حافة السرير بملابس العمل، ونظر إلى الحائط. والحائط ينظر إليه. في رأسه صوت الطفلة لا يتوقف: “أنا وحدي… متى ستعود؟” تذكر أنه كتب لها: “سأدعو لك كل ليلة.” هل يستطيع الوفاء بهذا الوعد؟ هو لا يعرف اسمها حتى. لا يعرف إن كانت لا تزال في المدينة. لا يعرف إن كانت قد نسيت الرسالة كلها. لكنه وعد. نام أخيراً عند الثامنة. لم يشعر بالوسادة، ولا بالبطانية. فقط أغمض عينيه وغاب. رأى في منامه طفلة تقف عند باب المدرسة. ترتدي ثوباً أبيض، وحقيبتها زهرية، وشعرها مربوط بشرائط. اقترب منها ليقول لها إنه قرأ رسالتها. لكنها نظرت إليه وسألته: “أين أبي؟” لم يستطع أن يجيب. استيقظ في الرابعة عصراً. الغرفة خانقة، والستائر مغلقة. قام وغسل وجهه بماء بارد، ثم نظر إلى المرآة. رأى رجلاً في الثلاثينات. عيناه متعبتان، وشعره مشعث، ووجهه كأنه لم ينم منذ أيام. قال لنفسه: “من أنت حتى ترد على رسائل الناس؟” لم يجب. في المساء، تذكر أمه. لم يتصل بها منذ ثلاثة أيام. أخذ الهاتف وتردد قليلاً، ثم اتصل. “أمي… كيف حالك؟” “بخير يا ولدي. وأنت؟ صوتك متعب.” “لا شيء. نمت قليلاً فقط.” “تاكل زين؟ لا تهمل نفسك.” “نعم يا أمي.” سكتت لحظة، ثم قالت: “أنت حزين؟” “لا يا أمي.” “أنا أعرفك. إذا احتجت شيئاً… أنا هنا.” أغمض عينيه. “أنا بخير. سآتي الجمعة إن شاء الله.” “ننتظرك. سأطبخ لك كبسة.” “الله يخليك يا أمي.” أغلق الخط وبقي ينظر إلى الهاتف. أمه تنتظره. وهناك من لا يجد أحداً ينتظره. تذكر والده للحظة. لم يكن عمر قريباً منه كثيراً. كان والده رجلاً قليل الكلام، يعمل ساعات طويلة، ويموت صامتاً في سريره ذات ليلة دون أن يودع أحداً. ربما لهذا السبب يريد عمر الآن أن يقول كلماته لأولئك الذين لا يجدون من يقولها لهم.

في العاشرة مساءً، عاد إلى المتجر. كل شيء في مكانه. الرفوف الخشبية، اللمبة الصفراء، الثلاجة، علبة التمر على الرف الثالث. جلس على كرسيه. وضع كأس الشاي أمامه. وانتظر. الساعة الحادية عشرة. لا شيء. منتصف الليل. لا شيء. في الثانية صباحاً، سمع خطوات خارج الباب. خطوات رجل ثقيلة ومترددة. تقترب ثم تبتعد، كأن صاحبها يحارب نفسه. ثم انزلقت ورقة من تحت الباب. فتح عمر الباب بسرعة. لم يرَ سوى ظل يختفي خلف الزاوية. رفع الورقة. كانت مطوية بشكل غير منتظم. خط رجل واضح، لكن الكلمات مهزوزة. قرأ: “إلى صديق عمري. سامحني. تركتك في أصعب يوم في حياتك. يوم مات أبوك. لم آتِ. لم أعزِّ. كنت جباناً. والآن أنت غائب. وأنا وحدي. أبحث عنك في كل مكان ولا أجدك. سامحني يا صاحبي.” قرأها ثلاث مرات. تذكر صديقاً قديماً من الجامعة. خلاف تافه، ثم خمس سنوات من الصمت. أخرج ورقة بيضاء وكتب: “لست صديقك. لكن الحياة أقصر من أن تنتظر أكثر. اذهب إليه. قلها بصوتك، لا على الورق.” طوى الورقة ووضعها تحت الباب. ثم جلس طويلاً. في الثالثة صباحاً، فتح هاتفه وبحث عن اسم صديقه القديم. اتصل. رن الهاتف مرة. مرتين. ثلاثاً. في الرابعة، جاء الصوت ناعساً: “ألو… من؟” “أنا عمر.” سكت الطرف الآخر لحظة. “عمر؟ الساعة كم؟” “الثالثة. آسف.” “على الاتصال؟” “لا. على كل شيء.” طال الصمت. ثم قال صديقه بصوت تغير قليلاً: “تعال غداً نشرب قهوة يا أحمق.” ضحكا معاً. بعد أن أغلق الخط، شعر عمر أن شيئاً قديماً في صدره صار أخف. فتح دفتره الأسود وكتب: “ليلة ثانية. رجل يطلب سماح صديقه. اتصلت بصديقي بعد خمس سنوات. لم يكن الصمت كرهاً، كان خوفاً من الاعتذار. لكننا تجاوزناه.” أغلق الدفتر. الثلاجة لا تزال تئن. والمروحة لا تزال تدور. لكن عمر صار أخف قليلاً.

جلس صامتاً لدقائق بعد أن أغلق الهاتف. نظر إلى يديه. كانت ترتجف قليلاً. لم يكن يعلم أن المكالمة سترجف به هكذا. شعر بشيء يشبه الخوف الجميل: خوف المواجهة بعد طول غياب. ثم تنفس بعمق. كان قد فعلها.

أم تنتظر

مر أسبوع على رسالة الرجل الذي يطلب السماح. لم يتوقف عمر عن الدعاء للطفلة. قبل النوم، يرفع يده ويقول: “اللهم امنحها سكينة.” كلمات قليلة، لكنها بقيت معه. في الليلة الثامنة، هطل المطر بغزارة. صوت القطرات على الزجاج ملأ المتجر. الهواء بارد، حتى إن أنفاس عمر كانت تظهر كضباب خفيف كلما زفر. جلس على كرسيه الخشبي. كأس الشاي بين يديه. كان يفكر في أمه. لم يزرها منذ عشرة أيام. كل مرة يقول غداً، وغداً لا يأتي. ثم سمع خطوات خارج الباب. خطوات امرأة. خفيفة وسريعة. توقفت لحظة، ثم اندفعت ورقة من تحت الباب. فتح عمر الباب، فلم يرَ إلا عباءة سوداء تبتعد خلف ستارة المطر. رفع الورقة. كانت مبللة. الحبر ذاب في أطرافها، لكن الكلمات بقيت واضحة. قرأ: “إلى ابني. ثلاث سنوات لم تزرني. أطبخ لك كل جمعة. أجهز غرفتك. أنتظرك عند الباب. لا تأتي. أتصل بك. لا ترد. تعال يا ولدي. تعال قبل أن أموت.” وقف عمر طويلاً والورقة في يده. تخيل امرأة تنظف غرفة لا يسكنها أحد، وتغير شراشف سرير لم يلمسه أحد، وتطبخ طعاماً لا يأكله أحد. كل جمعة. ثلاث سنوات. أغمض عينيه. رأى أمه تفتح له الباب قبل أن يضع مفتاحه في القفل. أخرج قلمه وكتب: “لست ابنك. لكن الأمهات لا ينتظرن عبثاً. ادعي له. ولا تغلقي الباب.” طوى الورقة ووضعها تحت السجادة عند الباب. ثم عاد إلى كرسيه، لكنه لم يستطع الجلوس طويلاً. أخرج هاتفه. كانت الساعة الثانية صباحاً. اتصل بأمه. ردت من أول رنة. “عمر؟ وش فيك؟ أصابك مكروه؟” “لا يا أمي. أنا بخير.” “الحمد لله. ليش تتصل بهذا الوقت؟” سكت لحظة. “أمي… أحبك.” صمتت. ثم قالت بصوت مكسور: “وأنا أحبك يا ولدي. تعال غداً. بس أشوفك.” “إن شاء الله.” أغلق الخط. فتح دفتره الأسود وكتب: “ليلة ثالثة. أم تنتظر ابنها منذ ثلاث سنوات. اتصلت بأمي. قلت لها أحبك. كنت أظن أن الوقت طويل، لكنه ليس كذلك. كل مكالمة قد تكون الأخيرة.” في الخارج، كان المطر لا يزال يهطل. وقلب عمر، لأول مرة منذ مدة، كان دافئاً.

لم يستطع النوم بعد المكالمة. بقي مستلقياً على سريره، والهاتف في يده. فكر في كل مرة قال فيها “غداً” ولم يأتِ. فكر في كل مرة لم يرد فيها على مكالمات أمه لأنه كان مشغولاً. بكى قليلاً. ليس بحرقة، بل بهدوء. دموع خفيفة كالمطر الذي كان يهطل خارج المتجر.

أخ غائب

في الليلة التالية، تأخرت الرسالة. كانت الساعة الثالثة صباحاً. المطر توقف، والشارع بدا مغسولاً وهادئاً. قمر خافت يظهر بين الغيوم من حين إلى آخر. جلس عمر على كرسيه. أمامه كأس شاي جديد، وعيناه على الباب. ثم سمع خطوات رجل. ثقيلة وسريعة. كأن صاحبها يريد أن يصل قبل أن يتراجع. انزلقت ورقة من تحت الباب. فتح عمر الباب. لم يرَ إلا ظلاً طويلاً يختفي عند نهاية الشارع. رفع الورقة. كانت صفراء، قديمة، وحوافها ممزقة قليلاً. قرأ: “يا أخوي. أمي كل يوم تسأل عنك. تقول: لعله على خير. أنا ما أدري وش أقول لها. أختنا تزوجت وما جيت. أبونا تعب وما جيت. أنا صرت رجال الحين. صار لي بيت وعيال. وكل يوم أقول لعيالي: عندكم خال. بس ما قد شافوه. وينك يا أخوي؟ بس قول لي إنك بخير.” قرأها مرتين. تذكر أخاه الأكبر. يسكن في مدينة بعيدة. لا يتصل إلا نادراً. لم يتشاجرا، ولم يختلفا. فقط ابتعدا حتى أصبح الصمت بينهما عادياً. أخرج ورقة وكتب: “لست أخاك. لكن بعض الغائبين لا ينسون. هم فقط يضيعون في الطريق، ثم يخجلون من العودة. اترك الباب مفتوحاً قليلاً.” طوى الورقة ووضعها في صندوق البريد القديم الملاصق للمتجر. ثم عاد واتصل بأخيه. رد بعد الرنة الرابعة. “عمر؟” “نعم يا أخوي.” “وش فيك؟ الساعة كم؟” “لا شيء. بس تذكرتك.” سكت أخوه لحظة. “وأنا كنت ناوي أتصل بك.” ابتسم عمر. “ليش ما اتصلت؟” “وأنت ليش ما اتصلت؟” ضحكا بخفة. قال أخوه: “تعال الأسبوع الجاي. عندي شغل كثير يعطيني عذر أهرب منه.” “إن شاء الله.” أغلق عمر الخط. نظر من نافذة المتجر. القمر لا يزال هناك. خافتاً، لكنه موجود. فتح دفتره وكتب: “ليلة رابعة. شاب يبحث عن أخيه. اتصلت بأخي بعد شهرين من الصمت. لم يكن هناك عداوة، فقط تأجيل. والتأجيل يتحول أحياناً إلى جدار.” ثم أغلق الدفتر.

جلس عمر بعد المكالمة ينظر إلى القمر عبر النافذة. تذكر كيف كان أخوه يعلمه ركوب الدراجة عندما كان صغيراً. كيف كان يمسك المقعد من الخلف ويجري خلفه، ثم يتركه فجأة دون أن يشعر. لم يقع عمر. نظر إلى الوراء، فوجد أخاه يقف بعيداً يضحك. تذكر تلك اللحظة وابتسم وحده. ثم همس: “كبرنا يا أخوي. وكبر الصمت بيننا.”


يتبع …

Scroll to Top