في الزاوية الأبعد عن الباب، حيث لا يصل ضوء الشارع إلا مكسوراً بين الستائر، يجلس المقهى صامتاً كمن يعرف أن اسمه لا يهم. لا موسيقى تملأ الفراغ، لأن الفراغ هنا ليس عيباً يستحق التغطية، بل جزءاً مما جاء الناس يبحثون عنه، وإن لم يسمّوه حين خرجوا من بيوتهم. تُضاء الطاولات بشمعة واحدة لكل منها، والشمعة لا تُضيء الوجوه بقدر ما تمنحها ظلاً مريحاً يمكن الاختباء خلفه.
القائمة لا تُقدَّم في كتاب، بل في ورقة واحدة تُوضع على الطاولة كأنها رسالة شخصية. لا صور، لا تفاصيل، فقط جمل قصيرة مكتوبة بخط يشبه خط اليد: “شيء يخفف الوحدة”، “ما يشبه الطمأنينة”، “ليلة أقل قسوة”.

تقرأها ببطء وتشعر لوهلة أن أحداً عرف كيف ستصل إلى هنا قبل أن تصل أنت.
النادل لا يسألك ماذا تريد. يسألك كيف تبدو ليلتك، ثم ينصرف بهدوء ويعود بما يعتقد أنك تحتاجه. لا أحد يفهم كيف يختار بدقة كهذه، وبعض الزبائن ظنوا في البداية أنها مصادفة، لكنهم عادوا مرة وأخرى، وفي كل مرة وجدوا شيئاً يشبههم على الطاولة قبل أن يتكلموا. حين يصل المشروب، لا تجد اسمه على الكوب، بل جملة صغيرة أسفله: “لأن هذه الليلة مرّت عليك بصعوبة أكثر مما أظهرت.”
تشرب دون أن تعرف ما الذي تشربه بالضبط، وربما لهذا تشعر بالراحة. منذ سنوات وأنت تحاول تسمية كل شعور وفهم كل ألم قبل أن تسمح لنفسك بأن تعيشه، وهنا، دون أن يطلب منك أحد، تجد أن أحداً منحك الإذن بأن تترك الأشياء غامضة قليلاً.
في إحدى الزوايا، كان رجل يأتي كل خميس تقريباً، يجلس إلى الطاولة نفسها ويطلب المشروب نفسه دون أن يعرف اسمه. لم يكن يشربه مباشرة، بل يتركه أمامه حتى تبرد الشمعة قليلاً، كأن جزءاً من الطقس لا يكتمل قبل ذلك. لم يسأله أحد عن السبب، وفي هذا المكان تحديداً، كان ذلك نوعاً من الاحترام.
الناس لا يخرجون من المقهى وهم يتحدثون عما شربوه، بل عما خفّ داخلهم دون أن يفهموا كيف. ولهذا لم يكن المكان يبيع القهوة حقاً، بل تلك المسافة الصغيرة بين الإنسان وثقله، حين يصبح احتمال الحياة أهدأ قليلاً.

