بحيرة هادئة تعكس الجبال والغيوم في مشهد تأملي صامت

لغة الصامتين

أرأيتَ البحيرة حين تستلقي في الصباح الباكر، وليس على وجهها إلا السكون والضوء الرقيق الذي يتسلل من بين شجر الضفاف؟ الناظر إليها من بعيد يحسبها خالية، بينما في قعرها عوالم لا تقدر الكلمات على وصفها، ولا تراها العيون التي تمر مسرعةً ولا تتأمل. هكذا الإنسان الذي يتقن الصمت، إنه لا يتقن البكاء لأن حزنه صار أعمق من أن تسعه الحناجر، وأثقل من أن تحمله الكلمات، فانزوى في داخله يعيش حياةً أخرى لا يطَّلع عليها سواه.

تأمَّل المجالس، وانظر كيف تتزاحم الألسنة لا لأن في داخلها ما يستحق القول، بل لأن الكلام صار قناعاً يختبئون وراءه من حقيقتهم. وفي تلك المجالس، إذا وقفتَ في الزاوية وأمعنتَ النظر، ستجد الرجل الصامت الذي لا يتكلم لأن في نفسه ميزاناً دقيقاً يزن الكلمات قبل أن يأذن لها بالخروج، وكثيراً ما يعود الميزان فارغاً لأنه لم يجد ما يستحق. إنه ينتظر، ببساطة، كلمةً تستحق الميلاد.

والعجيب حقاً أن الناس يحسبون هذا الصمت عجزاً، ولو تأملوا لرأوا أن أكثر الكلام فارغٌ كالإناء الصدئ الذي يُحدث صوتاً حين تقرعه، وأن أكثر الصمت ممتلئٌ كالنهر العميق الذي لا يخذلك حين تحتاج ماءه. الصحراء تمتد صامتةً آلاف الكيلومترات وفي باطنها ما لا تعلمه إلا الذاكرة القديمة للأرض، كنوز يعرف مكانها من يعرف كيف يسمع الصمت. أما العاصفة فتأتي صاخبةً تقتلع وتهدم وتُخيف، ثم تذهب في ساعة كأنها لم تكن، ولا تترك وراءها غير الغبار والتشوش.

لا أدعوك إلى أن تصمت إلى الأبد وتحبس نفسك في صومعة من الكلام المكبوت، فالصمت الطويل يُصدِّئ النفس ويجعلها في وحدة تشبه الحجر لا الإنسان. لكنني أدعوك إلى أن تزن كلامك قبل أن يخرج منك، كما يزن الصائغ الذهب في يده قبل أن يصوغه، لأن الذهب المصوغ بلا تقدير يخرج مشوَّهاً حتى وإن كان من أجوده. كلمة نظيفة في وقتها وموضعها أبلغ أثراً من مئة كلمة تتراكض كالجراد يقع على سنبل لم ينضج بعد.

كم من إنسان نطق في لحظة وتمنى بعدها لو أن الأرض ابتلعت تلك الكلمات قبل أن تبلغ أسماع الناس. وكم من صامت عاش يقرع صدره ندماً لأنه لم يقل في اللحظة المناسبة ما كان يجب أن يقال. لكلٍّ ندمه وجرحه الخاص، وليس أحدنا بأعلم من الآخر أيُّ الندمين أثقل ميزاناً وأطول عمراً في القلب.

لذلك يا صديقي، لا تملأ الدنيا بصوتك وحده، بل املأها بوجودك الحقيقي، بالطمأنينة التي تمنحها لمن حولك فيشعرون أن ثمة إنساناً حقيقياً بينهم لا مجرد صوت يملأ الهواء. فالوجود الحقيقي ليس صراخاً ولا جلبة، بل هو الأثر الذي يظل في المكان بعد أن يرحل صاحبه.

وإذا أتتك لحظة لا تدري فيها أتصمت أم تتكلم، فتوقف قليلاً واسأل نفسك: هذا الذي سأقوله، لو وقفتُ غداً أمام من لا تخفى عليه خافية، هل سأجد فيه عذراً أو عزاءً؟ فإن اطمأننتَ، فتكلَّم ولا تتردد. وإن ترددتَ، فاعلم أن الصمت في تلك اللحظة هو الجواب.

وتذكَّر أن الكلام أمانة، وأن كل كلمة تخرج منك تمضي في الدنيا وحدها بعيداً عنك، ولا تملك أنت ردَّها. فاختر كلماتك كما تختار من تثق به بأسرارك، وأعطها من الوقت ما تستحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top