زورق وحيد في بحر هادئ وأفق بعيد يعكس رحلة الإنسان بين ذكرياته وجزر حياته

زورق

لا يعرف الزورق الحقيقي إلى أين يسير. يعرف فقط أنه يسير.

والبحر من حوله لا يسأله عن وجهته، لأن البحر أقدم من الأسئلة وأعمق من الإجابات. يفتح له طريقاً حين يتحرك، ويغلقه خلفه حين يمضي، كأن المكان الذي كان فيه لم يكن يوماً. وكان هو يعلم، كما يعلم كل من عاش على البحر طويلاً، أن الزورق لا يختار جزره، بل الجزر هي التي تختاره. تظهر له في اللحظة التي يكون فيها مستعداً لها، لا قبلها ولا بعدها.

كان يبحر.

لا هرباً من شيء ولا وصولاً إلى شيء. كان يبحر كما يتنفس الإنسان حين لا يفكر في تنفسه، بشكل طبيعي وهادئ وضروري. والأمواج من حوله تتحدث بلغة لا يفهمها كل من ركب البحر، لكنه كان يفهمها. تعلّمها في سنوات لم يعلم حين كان يعيشها أنها كانت تعلّمه.

ثم رأى الجزيرة الأولى.

لم تكن بعيدة ولم تكن قريبة. كانت في تلك المسافة التي تجعل الشيء حاضراً في العين وغائباً عن اليد. وحين اقترب منها بدأ يشم قبل أن يرى. شمّ عبقها الذي لا يشبه عبق أي مكان آخر في العالم، ذلك المزيج الغريب من الملح والخضرة والشيء الذي لا اسم له لكنه يسكن في مكان عميق منك حين تشمه، كأنك كنت تعرفه من قبل أن تعرفه.

وفتحت الذاكرة بابها.

كانت الجزيرة الأولى ناعمة كصوت يُسمع من غرفة مجاورة، هادئة الأطراف واضحة المعالم كأن أحداً رسمها بعناية وأخذ وقته في كل تفصيلة. أشجارها لم تكن طويلة لكنها كانت راسخة، وأزهارها لم تكن صاخبة الألوان لكنها كانت تملأ الهواء بشيء يجعل التنفس فيها يشعر كأنه امتنان. عاش فيها أياماً كانت كل يوم منها مختلفاً عن سابقه، وتعلّم فيها ما معنى أن يكون المكان آمناً، لا لأنه بلا عواصف، بل لأن عواصفه كانت تمر وتتركه أكثر سكينة مما كان.

حين رحل عنها لم يستطع أن يفسر لنفسه لماذا يرحل. لكنه أدرك لاحقاً أن بعض الجزر تعطيك ما تحتاجه تماماً ثم تفتح لك البحر من جديد، لا لأنها لم تعد تريدك، بل لأنها أرادت لك ما هو أبعد منها.

حملها معه. وسار.

وجاءت الجزيرة الثانية كأنها جاءت من عالم آخر تماماً.

كانت جريئة في كل شيء. في أشجارها التي كانت تمتد نحو السماء كأنها تتحداها، وفي أزهارها التي اختارت أشد الألوان وضوحاً كأنها لا تريد أن تمر دون أن تُرى. وكان هواؤها يحمل رائحة مختلفة، أقوى وأكثر حضوراً، رائحة تدخل إليك ولا تستأذن وتبقى فيك بعد أن تغادر.

كانت لها عواصفها الخاصة، وكانت عواصف حقيقية لا تشبه تلك الأولى التي مرت بهدوء. كانت تأتي فجأة وبلا إنذار، وتهز كل شيء بطريقة تجعلك تتساءل إن كنت ستصمد. لكنه صمد. وتعلّم على تلك الجزيرة شيئاً لم تعلّمه إياه أي جزيرة قبلها، تعلّم أن القوة ليست في مقاومة العاصفة بل في البقاء فيها حتى تنتهي دون أن تفقد نفسك.

كانت الجزيرة الثانية تعلّمه بقسوة أحياناً، لكنها كانت تعلّمه بصدق دائماً.

وحين رحل عنها كان يعرف أنه لن ينساها. ليس لأنها كانت الأجمل، بل لأنها كانت الأصعب، وما يصعب علينا يحفر في الوجدان أعمق مما يسهل.

حملها معه. وسار.

وكانت الجزيرة الثالثة صمتاً.

ليس صمتاً من فراغ، بل من اكتمال. كأن كل ما قيل قد قيل، وكل ما أُعطي قد أُعطي، وما تبقى هو ذلك الهدوء العميق الذي يأتي حين يجلس شخصان معاً دون حاجة إلى ملء المسافة بينهما بالكلام. أشجارها كانت قديمة وجذورها كانت عميقة، وأزهارها كانت تتفتح ببطء كأنها لا تريد أن تستعجل شيئاً. وكان هواؤها يحمل رائحة الأرض بعد المطر، تلك الرائحة التي تجعل الإنسان يشعر بأنه في مكانه الصحيح.

لم تكن لها عواصف كبيرة. كانت حين تمطر تمطر بهدوء، وحين تهب ريحها كانت تهب كأنها تريد أن تُبرّد لا أن تُخيف. وكان هو يجلس على شاطئها أحياناً وينظر إلى البحر ويفكر في كل الجزر التي مر بها، ويدرك أن كل واحدة منها أعطته شيئاً لا تستطيع أي جزيرة أخرى أن تعطيه إياه.

حين رحل عنها لم يرحل بالكامل. ترك جزءاً منه هناك بين جذور تلك الأشجار القديمة، وأخذ معه جزءاً منها لا يستطيع تسميته لكنه يحس به حين يحتاج إلى الهدوء.

وكان يبحر بين ذكرياته حين لاحت في الأفق جزيرة لم يرها من قبل.

جديدة تماماً. لا رائحة مألوفة تسبقها ولا ذكرى تمهّد لها. كانت تقف في الأفق كسؤال لم يُطرح بعد، وكانت المسافة بينه وبينها تتقلص ببطء مع كل دفعة من المجداف.

وأدرك فجأة أنه لا يعرف ما الذي ينتظره فيها.

لأن هذه الجزيرة لم تبدأ بعد. قصتها لم تُكتب. وذكراها لم تولد.

ابتسم.

لأنه تذكر أن كل جزيرة يحبها الآن كانت يوماً ما مجرد بقعة في الأفق لا يعرف عنها شيئاً. وأن الزورق الذي يتوقف عن الإبحار خوفاً مما قد يجد، لا يختلف كثيراً عن زورق راسٍ في الميناء، آمن تماماً، لكنه لم يُخلق للأمان وحده.

دفع بالمجداف.

وسار نحوها.

رسائل من نَسَقْ

اشترك في القائمة البريدية لتصلك التدوينات الجديدة حين تُنشر، بهدوء ودون إزعاج.

تم استلام طلب الاشتراك، شكراً لك.
Scroll to Top