شخص يظهر خلف ألواح زجاجية ضبابية متعددة وكأن لكل زاوية نسخة مختلفة منه

لماذا يعرفك كل شخص في حياتك بطريقة مختلفة تماماً؟

لماذا يعرفك كل شخص في حياتك بطريقة مختلفة تماماً؟
الهوية الإنسانية بين أعين الآخرين — رحلة في فهم نسخك المتعددة

كان أبو فهد يجلس كل صباح أمام محله الصغير في السوق القديم بالحي، يعرف زبائنه بأسمائهم وبعاداتهم قبل أن يفتحوا أفواههم. يعرف أن الشيخ عبدالله لا يأخذ التمر إلا من صنف واحد بعينه، وأن الشاب الطويل الذي يمر كل خميس يشتري البن ولا يتكلم كثيراً. كان أبو فهد مطمئناً لأنه يظن أنه يعرف هؤلاء الناس. لكنه في الحقيقة كان يعرف نسخة واحدة منهم فقط، النسخة التي تمر بمحله صباحاً وتحمل كيساً وتبحث عن شيء تشتريه. وهذه النسخة لا تكاد تشكل شيئاً من الإنسان الحقيقي.

الحقيقة التي نهرب منها هي أنه لا يوجد شخص واحد يعرفك كاملاً. أمك التي حملتك تسعة أشهر ترى فيك الطفل الذي بكى على ركبتيها، وزميلك في العمل يرى المحترف الذي لا يتأخر ولا يتلعثم، وصديق طفولتك يتذكر ذلك الولد الصغير الذي كسر ألعابه وضحك بصوت عالٍ دون أن يستأذن أحداً. كل واحد من هؤلاء مطمئن لأنه يظن أنه يعرفك، وكل واحد منهم مخطئ بقدر ما هو مصيب.

تخيل أنك التقيت بزميل دراسة لم تره منذ خمس عشرة سنة. نظر إليك وقال: “أنت لم تتغير أبداً.” ابتسمت بأدب. لكنك في داخلك تعلم أن ذلك الشاب الذي يتذكره لم يعد موجوداً. ذلك الشاب خسر ناساً أحبهم، ومرّ بليالٍ لم تشبه أي ليلة من ليالي الدراسة، وتخلى عن أحلام كان يظنها حياته. لقد مات ذلك الشاب بالتدريج كما تموت الأشياء القديمة، دون صوت ودون جنازة.

حين تتحول في غرفة الاجتماعات إلى شخص لا يعرفه أهلك

في العمل أنت الحازم الذي يدير الأزمات بهدوء ويتكلم بثقة. وحين تعود إلى البيت تصبح ذلك الإنسان المتعب الذي لا يجد كلمات كثيرة. أهلك لا يصدقون وصف زملائك لك، وزملاؤك لا يصدقون ما يعرفه أهلك. كلاهما يصف شخصاً حقيقياً. وكلاهما يصف نصف الحقيقة فقط.

هذا ليس نفاقاً ولا تلوناً. هذه هي طبيعة الإنسان. نحن لا نستطيع أن نكون كل ما نحن عليه في كل مكان وأمام كل شخص. كل علاقة تستدعي منك جزءاً مختلفاً، وكل جزء حقيقي، لكن لا جزء منها يساوي المجموع.

أنت نفسك لا تعرف كل نسخك السابقة

الأغرب في هذه القصة أنك أنت أيضاً نسيت كثيراً مما كنته. نسيت كيف كنت غاضباً في العشرين حتى أن غضبك كان يرعب من حولك. نسيت كيف كنت ساذجاً في الثلاثين لدرجة أن الحياة كانت تخدعك مراراً دون أن تتعلم. ثم تجد دفتراً قديماً ذات يوم، أو تصلك رسالة من شخص مضى زمن منذ رحل، فتقرأ ما كتبته أو ما كتبه عنك، وتصطدم بذلك الغريب الذي كنت ذات يوم. تقرأه وكأنك تقرأ عن شخص آخر تماماً، لكنك تعرف أن تلك الكلمات كانت تخص يدك وقلبك وخوفك أنت.

الإنسان مثل النهر الذي لا تنزل فيه مرتين، لأن المياه التي لمست قدمك أول مرة مضت ولن تعود. إلا أن الناس الذين مررت بهم يحتفظون بصور التقطوها لك في لحظات بعينها، مثل المصوّر الذي يحتفظ بصورة التقطها للنهر في فيضان معين، ولا يعلم كيف صار بعدها.

نعيش حيوات متوازية لا تتقاطع

كل علاقة في حياتك هي حياة صغيرة مستقلة. حين يبتعد صديق قديم تُغلق نافذة كاملة على عالم كان موجوداً. حين يموت أحد من أحببتهم يختفي معه ذلك الإنسان الذي كنته معه تحديداً، ذلك الضحك المخصوص، تلك الكلمات التي كانت تُقال فيما بينكما فقط.

نحن نترك وراءنا أشخاصاً يحملون صوراً قديمة لنا. صوراً التقطت في أزمنة مختلفة وبإضاءات مختلفة. ثم مضوا بها إلى أحياء من مدن لا نعرفها، وإلى زوايا من ذاكرتهم لن نصل إليها. وفي مكان ما في هذا العالم يتحدث أناس عنك وأنت لا تعلم ما الذي يقولونه، ولا إلى أي نسخة منك يشيرون.

ماذا تفعل بهذه الحقيقة؟

لن يكون الجواب درساً أخلاقياً أو وصفة جاهزة، فالحياة أعقد من ذلك. لكن ربما يكون أول ما يمكنك فعله هو التوقف عن محاولة تصحيح الصور التي يحملها الآخرون عنك. تلك الصور لن تتطابق مع الأصل أبداً، لأن الأصل نفسه يتغير باستمرار. فحين يخذلك أحدهم لأنه توقع منك شيئاً لم تكنه، فلا تسرع إلى الغضب، هو لم يخنك في الحقيقة، بل خانت تلك الصورة القديمة التي رسمها في ذهنه، والصور لا تملك ضمائر.

أما أجمل ما في هذه الحقيقة المربكة فهو أن أمامك دائماً فرصة لأن تكون نسخاً جديدة من نفسك. نسخاً لا يعرفها أحد بعد. لا صديق الطفولة الذي يتذكر طفلاً مضى، ولا زميل العمل الذي يعرف المحارب في غرفة الاجتماعات، ولا ذلك المارّ العابر الذي مضى ولا يعلم. أنت حر في أن تكون أكثر رحمة مما كنت، وأكثر جرأة مما تظن، وأكثر هدوءاً مما اعتاد عليه من حولك.

أنت وحدك من سيرى كل هذه النسخ من الداخل. وربما لأنك تحمل هذا الثقل وحدك، فأنت وحدك القادر على أن تسامحها جميعاً، بما فيها تلك التي لا تزال تخجل منها حتى اليوم.

Scroll to Top