كانت البدايةُ أقصرَ من أن تُسمّى فصلاً، وأطولَ من أن تُنسى. مرحلةٌ من تلك المراحل التي تفتح نوافذ الحيرة أكثرَ ممّا تُنبت الطمأنينة، تلك التي يدخلها الإنسان واثقَ الخطى ويخرج منها وقد تغيّر شيءٌ فيه لا يستطيع تسميته بدقة. كان يلوذُ بحذرٍ هادئٍ في تعامله مع كل ما يستحق، لا يطفئ الرغبةَ في العطاء بل يؤجّلها، وكان يُسمّي ذلك تأنّياً، لكنّه في لحظات الصدق مع نفسه لم يكن يعرف تماماً إن كان ما يفعله حكمةً حقيقيةً أم خوفاً يرتدي ثوب الحكمة. ربّما كان الاثنان معاً، وربّما لم يكن أيّاً منهما، وهذا بالذات هو ما لم يستطع حسمه. وما كان يعرفه فقط، بيقينٍ لا يحتاج برهاناً، أن تلك المرحلة لم تكن عابرة.
حين كان الآخرون يقرأون صمته بطريقة لا تشبه ما يقصده، كان يشعر بشيءٍ يشبه الغبن، ثم يتساءل إن كان ذلك الغبن مشروعاً أصلاً. فمن لا يُفصح لا يملك حقّ الشكوى من سوء الفهم، ومن يختار أن يبقى غامضاً يتحمّل جزءاً من كل تأويلٍ خاطئ جاء من غموضه. كان يعرف ذلك، لكنّ المعرفة لم تكن تُخفّف دائماً، وأحياناً كانت تزيد الأمر تعقيداً، لأنّ الإنسان حين يرى خطأه ولا يُغيّره يصبح أمام سؤالٍ أصعب من سؤال الجهل.
وكان، في خلوته، يُعِدّ لما لا يُدركه من حوله، يبني ويُهيّئ ويُفكّر في التفاصيل التي لا يراها أحد، ويجد في ذلك شيئاً يشبه المعنى. لكنّه كان يتساءل أحياناً إن كان كل ذلك الإعداد لصالح ما يبنيه فعلاً، أم لصالح الصورة التي يريد أن يراها عن نفسه، صورة من يُحسن ويتقن ولا يتهاون. الفرق بين الاثنين دقيقٌ لكنّه حقيقي، وكان يشعر به دون أن يجرؤ دائماً على الاعتراف به.
في تعامله مع من حوله كان يلمح أشياء تبدو له عميقةً، لكنّه تعلّم مع الوقت أن ما يلمحه ليس دائماً ما هو موجود، وأن الإنسان يرى في الآخرين أحياناً ما يريد رؤيته لا ما هو كائن. كان يوقن أحياناً بأشياء لم يتثبّت منها، ويبني على تلك اليقينيات ما قد لا يحتمل البناء، وحين تنهار بعض تلك الأبنية كان يتساءل إن كانت المشكلة في الطرف الآخر أم في اليقين المبكر الذي لم يكن له ما يسنده.
وفي مراحل عدة من حياته وجد نفسه أمام لحظاتٍ تتشابه في ملامحها؛ يبذل ويُقابَل بما لا يتوقع، يتراجع ويُسمّي تراجعه اتّساعاً، ويعتذر ويقنع نفسه أن الاعتذار كان اختياراً لا إذعاناً. لكن في الليل الهادئ حين تسقط التسميات كان يسأل نفسه: هل كان ذلك فعلاً كرماً، أم كان هروباً من مواجهةٍ لم يكن يملك أدواتها؟ ولم يكن يجد دائماً جواباً، وتعلّم أن غياب الجواب ليس فشلاً بل هو في أحيانٍ كثيرة الإجابة الوحيدة الأمينة.
وبعد سنواتٍ، حين تتراءى له تلك الذكريات، لا يستعيدها بمرارةٍ ولا بفخرٍ. يراها كما يرى الإنسان مرحلةً مضت وتركت فيه ما تركت دون أن يكون متأكداً تماماً من طبيعة ما تركته. يعرف أنّه كان صادقاً في بعض ما فعل، ويشكّ في بعضه الآخر، ويجهل حقيقة قسمٍ ثالث ربّما لن يعرفها أبداً. وتلك الذكريات التي لا يعرف حتى اليوم إن كان قد ربحها أم خسرها، لا تزال تنتظر جواباً لم يأتِ. ولم يعد متأكداً إن كان يريده.

