هناك أشياء نفعلها يومياً، ولا ننتبه إليها. نفتح الهاتف دون سبب واضح، نعود لنفس الرسالة ثلاث مرات، نحدق في الجدار ونحن نعتقد أننا نفكر. نؤجل فكرة كنا متحمسين لها قبل دقائق.
ليست هذه الأشياء كبيرة، ولا تستحق التوقف عندها. لكنها تتكرر بهدوء، كأنها أصبحت جزءاً من إيقاعنا الخفي.
كم مرة بدأنا شيئاً ولم نكمله؟ لا لأننا لا نريد، بل لأننا انتقلنا إلى غيره دون أن نأذن لأنفسنا. نفتح تبويباً، ثم آخر، ثم ننسى لماذا فتحنا الأول. نقرأ سطرين من كتاب، ثم نكتشف أن عيوننا كانت تمشي على الكلمات، أما أذهاننا فمكان آخر.
نظن أن هذه التفاصيل صغيرة، وربما هي كذلك. لكن حين تتكرر يومياً، تتحول إلى حياة موازية نعيشها بلا وعي. كأننا نتحرك بين الأشياء، لكننا لا نستقر في أي منها.
لا يبدو الأمر سيئاً بالكامل. فهذه اللحظات تمنح الذهن فسحة، وتخفف من ثقل التركيز المستمر. ليس الشرود بحد ذاته ما يستوقف، بل حين يتحول إلى أسلوب دائم.
لأن ثمة أشياء تمر دون أن تأخذ حقها. فكرة كان يمكن أن تغيّر يومك، انتهى بها الأمر في سلة مهملات ذهنية. كلمة كان يمكن أن تُقال لشخص تحبه، ضاعت بين تصفح وآخر. ولحظة جميلة عشتها بعينيك، بينما كان ذهنك في مكان آخر.
لا نشعر بهذه الخسارة فوراً. لهذا هي أخطر أنواع الخسارة؛ لأنها تتراكم في صمت، في الخلفية، مثل غبار يغطي الأثاث دون أن نلاحظ.
ومع ذلك، لا نحتاج إلى مقاومة شرسة. ربما يكفي أن ننتبه مرة واحدة فقط. أن نقبض على أنفسنا ونحن نضيع في التفاصيل الصغيرة، دون عنف، دون تأنيب.
أن ننهي فكرة بدأناها قبل أن ننتقل إلى التالية. أن نغلق الهاتف وننظر إلى من أمامنا، كأننا نراه فعلاً. أن نتوقف لحظة… ولا نبحث عن أي شيء ليملأ الفراغ.
ليست هذه محاولة للسيطرة على الوقت، بل استعادة بسيطة لحق اللحظة في أن تُعاش.
لأن أكثر الأشياء تضييعاً في حياتنا… ليست الكبيرة التي نتذكرها، بل الصغيرة التي تمر من أمامنا، ونحن ننظر في اتجاه آخر.
