الذين يسمعون صمت الأشياء

طاولة قديمة تتناثر فوقها كتب وأدوات مهملة داخل غرفة هادئة بإضاءة دافئة
xza

نَسَقْ

في زقاقٍ قديمٍ لا تدخله أشعةُ الشمسِ إلا بصعوبة، كان هناك محلٌّ صغيرٌ لا لافتةَ له، يفوحُ منه عطرُ الكتبِ القديمةِ وورقِ الشجرِ الجاف.

خلفَ طاولةٍ خشبيةٍ متهالكة، يجلسُ عجوزٌ بملامحَ هادئةٍ وكأنه جزءٌ من أثاثِ المكان، يمسكُ في يدهِ عدسةً مكبرةً ويمسحُ الغبارَ عن أشياءَ تبدو للناظرين بلا قيمة؛ مفتاحٌ صدئ، قلمٌ مكسور، وساعةُ جيبٍ توقفت عقاربُها منذ زمن.

دخلَ المحلَّ شابٌ يفيضُ حيوية، لكن ملامحَهُ كانت توحي بضياعٍ خفيّ. سخرَ الشابُّ من تلك الخردواتِ المعروضةِ وقال بصوتٍ عالٍ:

”لماذا يحتفظُ شخصٌ ما بهذه النفايات؟ إنها مجردُ أشياءَ ميتةٍ لا نفعَ منها”.

رفعَ العجوزُ رأسهُ ببطء، ونظرَ إلى الشابِّ بعينينِ تشبهانِ بحيرةً ساكنة، وقال بهدوء:

”الأشياءُ لا تموتُ يا بني، نحنُ الذين نقتلُ حكاياتِها حين نتوقفُ عن رؤيةِ الروحِ بداخلها”.

أمسك العجوزُ بمفتاحٍ قديمٍ ووضعه في يدِ الشابِّ قائلاً:

”هذا المفتاحُ لا يفتحُ باباً من خشب، بل يفتحُ ذكرى بيتٍ كان يملؤه الحبُّ قبل أن تفرّقَ الدنيا أهلَه. وهذه الساعةُ لم تتوقف لأنها تعطلت، بل لأن صاحبَها أراد أن يجمدَ اللحظةَ التي رأى فيها ابنهُ لأولِ مرة”.

لمسَ الشابُّ المفتاحَ بيده، وفجأةً شعرَ برعشةٍ غريبةٍ تسري في جسده، وتذكرَ رائحةَ بيتِ جدهِ الذي لم يزره منذ سنوات.

وحين نظرَ إلى العجوزِ ليسأله عن سرِّ ذلك الشعور، وجدَ المحلَّ قد أصبحَ صامتاً تماماً، ولم يجد أمامَه سوى مرآةٍ قديمةٍ كُتب على طرفِها بخطٍ ذهبي:

”الجمالُ لا يسكنُ في الأشياء، بل في الطريقةِ التي ننظرُ بها إليها؛ فمن يملكُ قلباً حياً، يرى في الحجرِ قصة، وفي الغبارِ حياة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top