لحظة هادئة في المرآة

الإشارة التي لا تُقال

خرجتُ في سيارتي مع صديق، وبعد أن أنهينا عشاءنا سرنا في أحد الشوارع، فإذا برجال المرور يوقفون السيارات بشكل مفاجئ للتأكد من الالتزام بالأنظمة. أوقفني أحدهم، وطلب بطاقة السيارة — وهي وثيقة تسجيل المركبة الرسمية التي تثبت ملكيتها وصلاحية سيرها — ليتأكد من أنها سارية. أعطيته الأوراق، لكن مع الزحام وكثرة السيارات التبس عليه الأمر، وظن أنها منتهية. حاولت أن ألفت انتباهه ليتأكد، لكنه كان ينتقل بين السيارات بسرعة وكأنه حسم أمره.

في تلك اللحظة وصل قائد في سيارة أخرى، فسأل رجل المرور عن سير العمل، ثم لمحني واقفاً خلفه. سأله عن مشكلتي، فأجابه بأن أوراقي منتهية. أخذ القائد البطاقة، نظر فيها بهدوء، وتبيّن له أنها سارية، لكنه لم يشأ أن يُحرج رجل المرور أمامنا. اكتفى بأن قال لي: موضوعك عنده، مشيراً إليه، وبأسلوبه أوصل له أن يعيد التحقق. فهم رجل المرور الإشارة، وعاد ليتأكد بنفسه.

لم أكن منزعجاً منه، بل كنت متفهماً للضغط الذي يعيشه. وبينما كنت أنتظر، كان يقف بجانبي شاب في مثل عمري تقريباً، سيارته نوافذها مغطاة بطبقة تظليل (فيلم داكن على الزجاج لتخفيف الضوء والحرارة) بدرجة أوضح من سيارتي، وكان بانتظار مخالفته. أما سيارتي فكانت أيضاً على زجاجها تظليل، لكنه خفيف جداً، ومع ذلك هو مخالف للنظام كذلك، لكن لم يُنتبه له في تلك اللحظة.

بعد قليل عاد إليّ رجل المرور، أعاد لي الأوراق بعد أن تأكد من صلاحيتها، ونبّهني أن المتبقي على انتهائها أيام قليلة.

شكرته، ثم قلت له بهدوء: هذا الشاب، لعلّك تعطيه فرصة هذه المرة. نظر إليّ باستغراب، ثم نظر إلى الشاب، ثم عاد يسألني: هل هو قريبك؟ قلت: لا أعرفه، لكنك كريم، ونستاهل فرصة. لم تعجبه المحاولة، وقال بحزم: إن لم تذهب سأخالفك أنت. كررت طلبي، فزاد تأكيده، فشكرته وانسحبت.

قلت للشاب: دعنا نتركه قليلاً حتى يخف الزحام، ثم نعود نحاول معه. شكرني بكلمات سريعة، ثم سألني: أنت ما مشكلتك؟ قلت، بابتسامة خفيفة: سيارتي أيضاً على زجاجها تظليل، لكنه خفيف، ورجل المرور لم ينتبه له. قال: حتى الخفيف ممنوع… ثم سألني باستغراب: طيب ليش أنا يُخالفني وأنت لا؟

عندها همس لي صديقي: هذا مِنّ جِدّه؟
استوعبت الموقف سريعاً، وهمست له: لا وقت للاستغراب الآن… اركب.
قلت للشاب بهدوء: يبدو أنه لم ينتبه لتظليل سيارتي، كان تركيزه على الأوراق فقط.

ركبنا السيارة مباشرة، ودخلنا شارعاً فرعياً داخل الحي، وكأننا نبتعد عن مشهد بدأ يتغيّر. وقبل أن نبتعد، نظرت في المرآة، فرأيت الشاب يتحدث مع رجل المرور، ويشير بيده باتجاه سيارتي. لم أسمع شيئاً، لكن المشهد كان كافياً.

تحركنا، وبقيت الفكرة.

أحياناً تحاول أن تُخفّف عن شخصٍ موقفاً بسيطاً، فيراه بشكلٍ مختلفٍ تماماً. ليس لأنك أخطأت، ولا لأنه سيّئ بالضرورة، لكن لأن كلّ واحدٍ يرى اللحظة من زاويته، وأحياناً أيضاً عليك أن تلتقط الإشارة بسرعة وتفهم ما يحدث دون تردد، لأن التوقف عند الاستغراب قد يُكلّفك أكثر مما تتوقع؛ لو أنني بقيت لحظة أطول أُفكّر فيما قاله، ربما كان المشهد سيتغيّر، وأحياناً القرار السريع ليس اندفاعاً… بل وضوح.

تلك الليلة، ضحكنا من غرابة ما حدث… لكن بقي في داخلي شيء هادئ لا علاقة له بالضحك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top