نحن نرتكب حماقةً معرفية حين نؤرخ ذكرياتنا بوصفها “أمساً” قد عبر، أو حين نحبسها في تقويم الزمن كأحداثٍ جفّت دماؤها؛ فالحقيقة الكامنة وراء ستار الوقت تقول إن الذكرى ليست جثةً هامدة يُوارى عليها تراب النسيان، بل هي كائنٌ حيّ يتنفس في مسام الحاضر. إنها لا تعيش خلفنا كأثر قدم على الرمل، بل تسكن أمامنا كبوصلةٍ خفية توجه جهاتنا التي لم نطأها بعد. إنها لا تمضي إلى الخلف كما تفعل الأرقام، بل ترتد إلى الداخل، لتستقر في أعمق طبقات الروح، مخلفةً وراءها كيمياء معقدة لا تتوقف عن التفاعل. نحن لا نتذكر المواقف، بل نتحول إليها، ونعيد تدوير شجنها وبهجتها لتصبح جزءاً من نسيجنا الوجودي، وكأن كل ما مررنا به لم يكن مجرد عبور، بل كان عملية غرسٍ أبدية لا تكف ثمارها عن النضج بداخلنا كلما تقدم بنا العمر.
إن هذه الذكريات التي نتظاهر بتجاوزها، لا تكف عن ممارسة “نحتٍ سريّ” في تضاريس نفوسنا؛ فهي تعمل كخزانٍ جوفي يغذي أنهار مزاجنا دون أن نلحظ منبعها. كل خيبةٍ قديمة لم تتبخر، بل ترسبت في القاع لتصبح “صلابةً” في مواقفنا، وكل لحظة حنانٍ عابرة لم ترحل، بل استقالت من الزمن لتتحول إلى “رقةٍ” تلوّن نبرة أصواتنا اليوم. نحن في الواقع نتاج عملية “تراكم شعوري” مذهلة، حيث تعيد الذكريات هيكلة دواخلنا، فتحول القسوة الغابرة إلى حكمة، والألم القديم إلى سعة صدر. فنحن لا نكبر بالسنوات التي تضاف إلى أعمارنا، بل بالندوب التي تضاف إلى إدراكنا، كسورٍ لِوُبا التي التحمت لتصبح أكثر صلابة مما كانت عليه قبل التهشم، جاعلةً من أرواحنا متحفاً حيّاً لا يُعرض فيه الماضي، بل يُعاش فيه بكل ثقله وتفاصيله.
بناءً على هذا الاجتياح الداخلي، تبدأ الذكريات في إعادة صياغة حواسنا، فتتحول من “مخزونٍ” إلى “منظور”. نحن لا ننظر إلى العالم بأعينٍ محايدة، بل من خلال عدساتٍ صبغتها الذكريات بألوانها الخاصة؛ فمن عاش خريفاً طويلاً من الفقد، قد يرى في تفتح الزهر نذيراً بالذبول، ومن سكنت روحَه ذكرى طمأنينةٍ قديمة، يرى في الوجوه الغريبة مشروعاً للصداقة. إنها تمارس علينا نوعاً من “الاستبداد البصري”، حيث تفرض علينا تأويل الحاضر وفق شيفرات الماضي، فلا نعود نرى الأشياء كما هي، بل كما “شعرنا” بها ذات مرة؛ إن العالم الخارجي صامت تماماً، والذاكرة هي التي تمنحه الضجيج أو الموسيقى؛ هي التي تختار متى يكون الصمت موحشاً ومتى يكون سكينة. ذكرياتنا ليست مجرد صورة نرتد إليها، بل هي الضوء الذي ينعكس من أعماقنا ليحدد ظلال الأشياء ومعانيها أمامنا.
هذا التغلغل لا يقف عند حدود التأمل، بل يمتد ليصادر عفوية أجسادنا ويبرمج ردود أفعالنا في اللحظة الراهنة. إن أجسادنا ذاكرةٌ تمشي، حيث تخبئ الأعصاب والمسام نصوصاً قديمة لم نعد نقرؤها بعقولنا، لكننا لا نزال نكتبها بحركاتنا؛ فنحن ننقبض أمام كلمةٍ عابرة، أو ننجذب لرائحةٍ مجهولة، أو نهرب من أماكن لا خطر فيها، فقط لأن “الذاكرة الحركية” استدعت تحذيراً قديماً أو نداءً غابراً. فالجهاز العصبي لا يملك تقويماً زمنياً، إنه يعيش كل صدمة وكأنها تحدث الآن، ويستدعي كل رقة وكأنها طوق نجاةٍ أبدي.
نحن نتحرك في الحاضر بمسودةٍ كُتبت في الماضي، وكأن الذكريات هي “المخرج الخفي” الذي يدير حركة أجسادنا على خشبة المسرح، ويملي علينا متى نبتسم ومتى نرتجف، دون أن نملك حق الاعتراض على هذا النص الذي استقر في نخاعنا الشوكي.
أمام هذا الاجتياح، تبدو محاولاتنا لـ”النسيان” نوعاً من العبث النفسي، أو محاولةً بائسة لانتزاع قطعة من جدار الروح. إن الذكريات التي نحاول محوها هي ذاتها التي صقلت وعينا؛ لذا فإن انتزاعها لا يعني الخلاص، بل يعني ترك “ثقبٍ” لا يمتلئ في هويتنا. فالنسيان محاولة لترميم اللوحة بحذف الألوان التي لم تعجبنا، بينما النضج هو إدراك أن اللوحة لا تكتمل قيمتها إلا بتلك الظلال القاتمة التي منحت الضوء معناه. نحن لا نُشفى من ذكرياتنا بالنسيان، بل بالقبول، حيث تتحول الجروح القديمة إلى ندوبٍ نبيلة تشهد على أننا عبرنا من هنا، وأننا قاومنا، وأننا تغيّرنا. إن محاولة الفكاك من قبضة الذاكرة تشبه محاولة الهروب من الظل؛ فكلما أمعنا في الركض بعيداً عنها، اكتشفنا أنها هي الأرض التي نقف عليها، وأن التغيير الذي أحدثته فينا قد صار قدراً أصيلاً لا يمكن الرجوع عنه.
وفي نهاية المطاف، ندرك أننا لسنا سوى “خلاصة” تلك الأطياف التي سكنتنا؛ فنحن في الحقيقة مجموع ما تذكرناه، ومجموع ما لم نستطع نسيانه. إن ذواتنا الحالية هي “الهوية النهائية” التي صاغتها تلك الأحداث القديمة بصبرها الطويل، حيث نتحول مع الوقت إلى “متحف حيّ” يتجول في طرقات العالم، يحمل خلف ملامحه قصصاً، وانكساراتٍ، وانتصاراتٍ تظهر في لمعة العين أو في صمت اللسان. التصالح مع الذكريات هو الذروة القصوى للنضج؛ أن نقبل بأن الماضي لم يمضِ، بل أعاد تشكيلنا لنكون ما نحن عليه الآن. نحن لا نعيش الذكريات، بل هي التي تعيش فينا، ليبقى السؤال الأخير ليس عما فعلناه بالماضي، بل عما فعله الماضي بنا ليرتقي بأرواحنا إلى هذا العمق الإنساني الفريد.
