متى يصبح الصمت خياراً ناضجاً وليس هروباً؟

كرسي بجانب نافذة يدخل منها ضوء ناعم مع ظلال هادئة على الأرضية
xza

نَسَقْ

نلجأ إلى الصمت كثيراً، لكننا لا نتوقف غالباً لنسأل: لماذا صمتنا؟ هل لأننا فهمنا الموقف، أم لأننا لم نعرف كيف نواجهه؟ الصمت في ظاهره واحد، لكن ما يقف خلفه هو الذي يحدد معناه.

أحياناً يكون الصمت ناضجاً حين ترى أن الكلام لن يضيف شيئاً. ليس لأنك عاجز عن الرد، بل لأنك تدرك أن الطرف الآخر لا يبحث عن فهم، بل عن انتصار. هنا، الكلام يتحول إلى استنزاف، والصمت يصبح اختياراً يحفظ طاقتك دون أن يحمّلك عبء محاولة لن تصل إلى نتيجة.

ويكون ناضجاً أيضاً حين تعطي نفسك وقتاً قبل أن تتكلم. ليس كل ما نشعر به يجب أن يُقال فوراً. بعض الكلمات لو خرجت في لحظتها، خرجت مشوّهة بما فيها من انفعال. الصمت هنا ليس تأجيلاً، بل ترتيباً. أنت لا تهرب من المواجهة، بل تؤجلها حتى تأتي بصيغة أصدق وأهدأ.

وأحياناً، يكون الصمت ناضجاً حين تفهم أن بعض الأمور لا تحتاج رداً أصلاً. ليست كل كلمة تستحق تعليقاً، ولا كل موقف يستحق تفسيراً. أن تترك شيئاً يمر دون أن تتدخل، هذا بحد ذاته قرار، وليس ضعفاً كما يبدو.

ثم هناك صمت آخر، لا هو بالناضج ولا هو بالهروب. صمت من قال كل ما في وسعه، وأدرك أن التكرار لا يجدي. صمت من أنهكته المحاولة، فلم يعد يمتلك طاقة لشرح ما فُهم خطأ أكثر من مرة. هذا الصمت يُقرأ من الخارج هروباً، لأن من يراه لا يعرف كم من الكلام سبقه. لكنه في داخله ليس بروداً ولا خوفاً، بل تعب صادق. والأصعب فيه، أن صاحبه لا يشرحه… لأن شرحه يعني أن يعيد ما انتهى منه.

لكن الصمت يتحول إلى هروب حين تستخدمه لتتجنب ما تعرف أنك تحتاج إلى مواجهته. حين تؤجل الحديث لا لأنك تبحث عن توقيت أفضل، بل لأنك تخشى نتيجته. حين تصمت لأنك لا تريد أن تسمع إجابة قد لا تعجبك، أو لأنك لا تملك الشجاعة لتقول ما يجب أن يُقال. هنا، الصمت لا يحل شيئاً، بل يراكمه.

ويكون هروباً أيضاً حين يصبح عادة. حين تصمت في كل مرة، حتى في اللحظات التي تحتاج منك وضوحاً. حين تختار الراحة المؤقتة على حساب فهم طويل الأمد. هذا النوع من الصمت يبدو هادئاً، لكنه يترك خلفه أشياء غير مكتملة.

الفرق بين الاثنين ليس في الصمت نفسه، بل في وعيك به. هل صمتّ لأنك رأيت الصورة كاملة، أم لأنك أغلقت عينيك عنها؟ هل كان اختياراً، أم انسحاباً؟

في النهاية، الصمت الناضج لا يترك داخلك ثقلاً. تشعر بعده أنك اتخذت قراراً، حتى لو لم تقل شيئاً. أما الصمت الذي يشبه الهروب، فيبقى معك… على شكل جملة لم تُقل، وموقف لم يُفهم، وشيء صغير كان يمكن أن يُحسم، لو أنك تكلمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top