موعد مع الماضي ..

كتاب مفتوح بجانب كوب قهوة على طاولة خشبية بإضاءة دافئة
xza

نَسَقْ

في زاويةِ مقهىً قديم يفوح برائحةِ القهوةِ الزكية، اعتاد الناسُ رؤيةَ طاولةٍ مستديرة تظلُّ فارغةً كل مساء، رغم الزحام الشديد. فوقها، كانت توجد زهريةٌ صغيرة بها وردةٌ واحدة، وكتابٌ مفتوح على صفحةٍ معينة، وكوبُ قهوةٍ يبردُ ببطء دون أن يلمسه أحد.

كان المارّة يظنون أنها طقوسٌ لانتظارِ حبيبٍ غائب، أو ذكرى لشخصٍ لن يعود، وكان النادلُ يبتسمُ بهدوء كلما سأله غريبٌ عن سرّ تلك الطاولة، مكتفياً بهزّ رأسه.

لم يكن هناك ضجيجٌ حول الطاولة، بل هيبةٌ غريبة تجعلُ الموجودين يخفضون أصواتهم تقديراً لذلك الانتظار الغامض. الجميع رسم في خياله قصةً حزينة لصاحب المكان الذي لا يأتي، حتى صار المقهى يُعرف بمقهى “الغائب الوفي”.

لكن الحقيقة كانت تظهر في لحظة الإغلاق؛ حين يتقدم صاحب المقهى العجوز، ويغلق الكتاب، ويأخذ الوردة ليضعها في جيب سترة معلقة خلف الباب.

المفاجأة لم تكن في انتظارِ شخصٍ رحل، بل في أن العجوز كان يحجز تلك الطاولة لنفسه القديمة.. للشاب الذي كانه قبل أربعين عاماً، قبل أن تسرقه مشاغل الحياة وتجاعيد السنين.

كان يجلس هناك بقلبه فقط وسط الزحام، ليقنع نفسه أن ذلك الشاب الحالم لم يغادر قط، بل ما زال جالساً يقرأ كتابه المفضل بسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top