مساحة تكفي لأن تستمر

صديقان يجلسان بهدوء أمام بحيرة وقت الغروب
xza

نَسَقْ

بعض الأصدقاء، وجودهم مختلف في حياتك… وتعرف ذلك دون تفسير. لا تسميه صديقاً فقط، بل تشعر أنه جزء من ذاكرتك. ترتاح لرأيه، وتشعر أن حديثه أقرب إلى الاتزان؛ لا يتسرع في الحكم، ولا يندفع مع اللحظة، بل ينتظر قليلاً… ثم يتكلم. ومع الوقت، تدرك أن هذا النوع لا يتكرر كثيراً، وأن وجوده ليس أمراً عابراً يمكن تعويضه بسهولة.

لكن، مهما كانت العلاقة جيدة، لا تخلو من مواقف عابرة. كلمة تُفهم على غير مقصدها، أو تصرّف يمرّ بثقله دون نية، أو لحظة يُساء فهمها بشكل لا يشبه حقيقتها. أشياء صغيرة في ظاهرها، لكنها كفيلة بتغيير الإحساس إن توقفنا عندها طويلاً.

ربما الفرق ليس في خلو العلاقة من هذه اللحظات، بل في ما يُفعل بعدها. هل تُؤخذ كما هي، أم تُحمّل أكثر مما تحتمل؟

وهنا يتضح أن التعامل مع هذه التفاصيل هو ما يصنع شكل العلاقة. ألّا تُؤخذ كل كلمة على محملها، وألّا يتحول كل موقف إلى موضع تدقيق، وأن يُترك لبعض الأمور أن تمر كما جاءت. ليس لأن الخطأ مقبول، بل لأن الإنسان لا يخلو من النقص، ولأن العلاقة التي تستحق لا تُقاس بلحظة واحدة.

وأحياناً، يكون الاختلاف جزءاً مما يجعل العلاقة أثبت. فالصديق الذي لا يوافقك دائماً، قد يكون أقرب إليك من غيره… لأنه يرى، لا لأنه يساير. وإن بدا لك أنه يوافقك في كل شيء، فقد تفقد العلاقة شيئاً من قيمتها؛ فالصديق الذي يُعتمد عليه ليس من يقول ما تريد سماعه، بل من يقول ما يراه بهدوء، ومن حرص.

أحياناً، يكفي أن تتجاوز، وأن تعطي الموقف حجمه الحقيقي دون زيادة. وأحياناً، أن تتذكر ما تعرفه عن هذا الشخص قبل أن تحكم على ما حدث؛ اتزانه، وهدوئه، وما عُرف عنه من ثبات، فهذه أمور لا تلغيها لحظة عابرة. وأحياناً أخرى، إن استمر الإحساس، يُقال ما في النفس بهدوء، دون قسوة، ودون محاولة إثبات، فقط لتوضيح ما التبس.

ومع الوقت، يتضح أن بعض العلاقات لا تقوم على دقة الحساب، بقدر ما تقوم على سعة الفهم، وعلى القدرة على تجاوز ما لا يستحق أن يكبر.

فبعض الأصدقاء لا يُحافظ عليهم بالتمسك الشديد، ولا بكثرة اللوم، بل بشيء أبسط، أن تترك للعلاقة مساحة تكفي لأن تستمر.

فتلك المساحة ليست فراغاً، بل وعاء من الثقة… وما بُني على هدوء، لا ينهار بلحظة عابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top