شخص يجلس وحيداً على مقعد مطل على مشهد ضبابي هادئ

بين العابر والمتردد

في حياتنا، نلتقي أحياناً بأشخاص نشعر تجاههم بشيء يصعب تفسيره. ليس حباً بالضرورة، ولا صداقة واضحة، بل احترام عميق وشعور بأن هذا الإنسان مختلف. نتمنى لو كان أقرب، أكثر حضوراً، أكثر وضوحاً. لكنه يتردد. يقترب قليلاً ثم يبتعد، يظهر في لحظة ثم يختفي في أخرى، لا لأنه سيئ، بل لأن بعض الناس يحملون داخلهم خوفاً أكبر من قدرتهم على الحسم.

نعذرهم أحياناً، لأن التردد ليس دائماً لعبة أو بروداً، بل قد يكون خوفاً حقيقياً من الخسارة أو الرفض أو التعلق. هناك من يخاف أن يخطو خطوة كاملة، فيعيش واقفاً بين الاقتراب والابتعاد.

لكن مع الوقت، نتعلم أن هناك فرقاً كبيراً بين المتردد والعابر.

المتردد يريد البقاء لكنه لا يعرف كيف. أما العابر، فهو لا ينوي البقاء من البداية.

الفرق بينهما يظهر في التفاصيل الصغيرة. المتردد قد يتأخر، لكنه يعود. قد يختفي قليلاً، لكنه لا يتصرف وكأنك لم تكن موجوداً. يعتذر بصدق، ويحاول بطريقته، حتى لو كانت مرتبكة. أما العابر، فلا يترك خلفه إلا فراغاً وأسئلة بلا إجابات. لا يسأل إلا عندما يحتاج شيئاً، ولا يبذل جهداً حقيقياً للبقاء.

هناك مقياس بسيط يكشف الناس دائماً: كيف يكون حضورهم في الأوقات الصعبة؟

بعض الأشخاص يختفون تماماً عندما تتعثر، وكأن العلاقة كانت مرتبطة فقط بالأوقات الخفيفة. والبعض الآخر، رغم تردده وبعده، تجده أول من يسأل عنك عندما يعلم أنك لست بخير. وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين من يخاف القرب، ومن لا يعنيه القرب أصلاً.

لكن فهمنا للناس لا يعني أن نلغي أنفسنا من أجلهم.

العلاقات الناضجة لا تُبنى على التضحية المستمرة من طرف واحد، ولا على الانتظار الذي لا نهاية له. من الجميل أن نمنح الآخرين مساحة ليتجاوزوا خوفهم، لكن ليس على حساب أعمارنا وطمأنينتنا.

تعلمت مع الوقت قاعدة بسيطة: أعطِ الناس فرصة، لكن لا تعلّق حياتك على قرار شخص متردد. عِش حياتك، وامضِ في طريقك، واترك الباب مفتوحاً بقدر معقول. فإن جاء من يستحق، سيدخل بصدق، حتى لو وصل متأخراً. وإن لم يأتِ، فلن تكون قد أضعت نفسك في الانتظار.

الحياة أقصر من أن نقف عند كل باب نصف مفتوح، لكنها أيضاً أجمل من أن نغلق قلوبنا تماماً خوفاً من الخيبة.

ربما لهذا، ليست المشكلة في الذين يترددون دائماً، بل فينا نحن عندما نحاول إنقاذ علاقة وحدنا، ونقنع أنفسنا أن الصبر وحده يكفي لبناء شيء متوازن.

في النهاية، ليست كل العلاقات الجميلة مكتملة، وليس كل من نحترمهم قادرين على منحنا ما نحتاجه. وهذا لا يجعلهم سيئين، ولا يجعلنا أقل قيمة. إنها فقط طبيعة البشر؛ بعضهم يأتي ليبقى، وبعضهم يأتي ليعلّمنا شيئاً ثم يمضي.

أما الذين يستحقون حقاً، فلن يجعلونا نقف طويلاً عند الباب. ربما يتأخرون، ربما يخافون قليلاً، لكنهم في النهاية سيختارون البقاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top