خمسُ دقائق من سكون

زهرة صفراء صغيرة تنمو من شق في الأرض بجانب جدار هادئ
xza

نَسَقْ

في قلبِ المدينةِ التي تلتهمُ أعمارَ السائرين، جلسَ طفلٌ بملامحَ هادئةٍ كفجرٍ بعيد، واضعاً أمامَهُ صندوقاً خشبياً عتيقاً كُتب عليه بخطٍ يفيضُ براءة: ”هنا يُباعُ الوقت.. بأسعارٍ لا تعرفُ العملات”.

كان العابرون يسرعون بجانبه كظلالٍ مستعجلة، يرمقونه بابتساماتٍ ساخرة، وهم يظنون أنهم يملكون الوقت بينما هو في الحقيقةِ مَن يملكهم.

توقفَ أمامَهُ رجلٌ يلفُّ معصمه بساعةٍ ذهبيةٍ باهظة، وعيناهُ غارقتان في جمودِ الأرقامِ على هاتفه. وبنبرةٍ يملؤها الكبرياء، تساءل: ”يا صغيري، الوقتُ هو المادةُ الوحيدةُ التي لا تُشترى، فما الذي تبيعه في هذا الصندوقِ الفارغ؟”.

رفعَ الصغيرُ عينيهِ بوقارٍ لا يعترفُ بالسنين، وأجاب بصوتٍ يشبهُ حفيفَ الشجر: ”أبيعُ تلك اللحظةَ التي سقطتْ منك في زحامِ الركضِ خلفَ السراب. أعطني خمسَ دقائق من سكونِك، وسأعيدُ لك دهشةَ الحياة”.

ألقى الرجلُ بضعَ قطعٍ نقديةٍ باستخفاف، قائلاً: ”حسناً، ها هي الخمسُ دقائق، أرني سحرك”.

لم ينطق الطفلُ بكلمة، بل أشار بيدهِ الصغيرة إلى برعمِ ياسمينٍ يشقُّ بصبرٍ عجيبٍ صخرةَ الرصيف، وهمس: ”أغمض عينيك.. واستنشق رائحةَ الصمود”.

في تلك اللحظة، حدثَ ما لم يكن في الحسبان؛ تلاشى ضجيجُ السيارات، وعادت للرجلِ قدرةٌ فُقدت منذ الطفولة؛ أحسَّ بدفءِ الشمسِ كيدٍ حانيةٍ تمسحُ تعبه، وسمعَ نداءً قديماً لقلبهِ كاد ينساه.

وحين فتحَ عينيهِ بلهفةِ الغريق، كان الرصيفُ خالياً، ولم يجد في الصندوقِ سوى مرآةٍ صغيرةٍ تعكسُ وجهَهُ المتعب، وخلفها عبارةٌ واحدةٌ كُتبت بمدادِ النور:

”الوقتُ لا يمرُّ يا سيدي.. نحنُ الذين نمرُّ من خلاله، واللحظةُ التي لا نعيشُها بقلوبنا، هي عُمرٌ لم يُخلق بعد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top