توفي

توفي داخل صندوق نقل للحيوانات الأليفة في ليل هادئ أثناء ذهابه إلى منزله الجديد
xza

نَسَقْ

لم يكن “توفي” مجرد قطٍّ صغير مرّ في البيت ثم رحل، بل كان روحاً خفيفة تمشي على أطراف الخوف، كأن العالم بالنسبة إليه مكانٌ واسع أكثر مما ينبغي، ومليء بأصواتٍ لا يعرف إن كانت ستؤذيه أم تحتضنه. كان ينظر حوله دائماً بعينين بريئتين، فيهما ذلك القلق الصامت الذي يجعل الإنسان يرغب، دون سبب واضح، أن يطمئنه طوال الوقت.

وجهه الجميل، كان يحمل شيئاً يشبه الطفولة التي لم تتعلم بعد كيف تثق بالحياة. يقترب بحذر، يجلس بقربك وكأنه يسأل بصمته إن كان الأمان حقيقياً هذه المرة، ثم يهدأ قليلاً… قليلاً فقط… قبل أن يعاوده خوفه القديم من شيءٍ لا يراه أحد سواه.

كنت أراه أحياناً نائماً بهدوء، ملتفاً على نفسه كقطرة دفء ضائعة، فأشعر أن هذا الكائن الهشّ لا يحتاج الطعام بقدر ما يحتاج الطمأنينة. وكان أكثر ما يؤلمني فيه أن خوفه كان أكبر من حجمه، وكأن الحياة أخافته قبل أن يعرفها جيداً.

وحين أجبرتني الظروف على بيعه، لم يكن الألم في فكرة الرحيل وحدها، بل في خوفي عليه؛ كيف سيتأقلم؟ هل سيرتبك من الأصوات الجديدة؟ هل سيختبئ طويلاً كما كان يفعل؟ هل سيجد من يفهم أن خلف هذا الخوف روحاً محبة جداً، لكنها لا تعرف كيف تعبّر عن نفسها بسرعة؟

أتذكر آخر مرة حملته فيها، كان هادئاً بشكلٍ موجع، ينظر إليّ بعينيه الواسعتين وكأنه يشعر أن شيئاً ما يتغير، بينما كنت أحاول أن أخفي ارتباكي خلف لمساتٍ بطيئة على رأسه الصغير. شعرت وقتها أنني لا أودّع قطاً، بل أعتذر لطفلٍ لم أفهم كيف أحميه بما يكفي.

لكن عزائي الذي أتمسك به كلما تذكرته، أن “توفي” ربما ذهب إلى مكانٍ أفضل مني، إلى بيتٍ أكثر هدوءاً، وأشخاصٍ يملكون وقتاً ودفئاً أكثر مما سمحت به ظروفي المتعبة. وربما هذا ما يخفف حزني قليلاً… أن الكائن الذي كنت أخاف عليه من العالم، وجد أخيراً مكاناً لا يحتاج فيه أن يخاف كثيراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top